الليرة السورية: حدود السياسات وضغوط السوق
في العدد السابق من “سوريا بالأرقام”، أظهر تحليلنا حول تحركات سعر صرف الليرة السورية خلال عام 2025 أنها كانت مدفوعة بالتوقعات والإعلانات أكثر من الأساسيات الاقتصادية. ومع ذلك، ظل الاتجاه الكلي للعملة تنازلياً، في إشارة إلى فجوة هيكلية مستمرة في مصادر العملات الأجنبية.
ما زال وجود سعرين فعليين للصرف، الرسمي والسوق السوداء، يشوّش النشاط الاقتصادي الذي يجب أن يستخدم كليهما في معاملات مختلفة. في ذروته، بتاريخ 5 شباط 2025، تجاوز الفارق بين السعرين 35%، مما يعقد عمليات المحاسبة والتخطيط المالي، وضعف ثقة المستثمرين، ويؤدى إلى تأجيل القرارات الاستثمارية طويلة الأجل.
إجراءات السياسة النقدية
في أعقاب التقلبات الكبيرة التي شهدتها الليرة السورية بعد انتهاء الحرب، أجرى البنك المركزي محاولته الرسمية الأولى لإدارة سعر الصرف. ففي 23 آذار 2025، أعلن عن توحيد نشرات أسعار الصرف، وأقر هامش تسعير بنسبة ±5% حول السعر الرسمي للبنوك المرخصة وشركات الصرافة. كان الهدف من هذه الخطوة تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء مع السماح بمرونة محدودة للفاعلين في السوق.
رغم أن الإجراء بدا بسيطًا في ظاهره، إلا أن حدوده سرعان ما أصبحت واضحة. فبين 23 آذار و5 آب، تجاوز سعر السوق السوداء الهامش المحدد في 120 يوم من أصل 136 يوم تداول، أي ما يقارب 88% من الأيام، وذلك استناداً إلى تحليلنا لبيانات سعر الصرف اليومية لليرة السورية.
في 6 آب، قام البنك المركزي بتوسيع الهامش إلى ±7%. جاء ذلك كإقرار ضمني بقصور الإطار السابق. استمر سعر الصرف ضمن النطاق الجديد حتى 27 تشرين الأول، عندما اخترق الحد لأول مرة. ومنذ 27 تشرين الأول إلى 14 كانون الأول، تجاوز الفارق مجددًا الحد ±7% في 34 يوم من أصل 54 يومًا. ورغم توسيع الهامش، فشلت السياسة في تثبيت توقعات السوق، مما أثر على مصداقية إطار البنك المركزي مرة أخرى.
على الرغم من التوحيد الرسمي لنشرات أسعار الصرف، ما تزال أسعار المشتقات البترولية الرسمية، قريبة من سعر السوق السوداء، مما يشير إلى ضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية. بالتوازي، أدت الاجتماعات التنسيقية الأخيرة بين البنك المركزي ووكالات الأمم المتحدة إلى اقتراح جديد لاستخدام سعر تحويل هجين بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء بدلاً من السعر الرسمي فقط، مما يزيد من تقويض مصداقية الإطار المُعلن.
كما جاء اعتماد البنك المركزي في حزيران 2025 لنظام التعويم المُدار ليظهر الفجوة مجددًا بين الإطار المعلن والقدرات الفعلية. حيث يتطلب نظام التعويم المُدار احتياطيات قابلة للاستخدام من العملات الأجنبية للسماح بالتدخل خلال فترات التقلبات في الوقت الذي تفتقر فيه سوريا إلى مثل هذه الاحتياطيات، ولم يتم الإعلان عن تنفيذ أي عمليات في السوق المفتوحة لشراء أو بيع العملة الأجنبية.
خلاصة تحليلية
في عام 2025، اتخذ البنك المركزي ثلاثة خطوات رئيسية لإدارة سعر الصرف: توحيد الأسعار الرسمية، فرض حدود التسعير في السوق السوداء، وتبني نظام التعويم المُدار. عمليًا، كان أثر هذه الإجراءات على أرض الواقع محدودًا، ما أثار تساؤلات حول قابليتها للتطبيق ومصداقيتها.
إن استعادة الثقة تتطلب خطوات أكثر قابلية للتنفيذ فعليًا، بدلًا من سياسات عريضة العناوين تتجاوز القدرات التشغيلية للمصرف.
