التجارة بين الولايات المتحدة وسوريا: بين العقوبات، الإفراط في الامتثال، والرسوم الجمركية
شكّل إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين في أواخر عام 2025 تحوّلًا تاريخيًا في العلاقات الأمريكية–السورية، لكنه لم يؤدِّ إلى تعافي التجارة الثنائية. فعلى الرغم من رفع معظم العقوبات والقيود، ما زالت المبادلات التجارية بين البلدين مقيّدة بجملة من العوائق المستمرة; تشمل قيودًا ماتزال قائمة، ورسومًا جمركية عقابية، وسياسات تقليص المخاطر المالية، وارتفاع تكاليف الامتثال، فضلًا عن حواجز غير جمركية أخرى.
تقع في صلب هذه العوائق ثلاثة أنظمة عقوبات راسخة.
أولًا، ما تزال سوريا مدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب. ويحول هذا التصنيف دون حصولها على صفة “العلاقات التجارية الطبيعية”، وهو الوصف القانوني الأمريكي الذي يتيح تبادلاً تجارياً برسوم جمركية منخفضة مع دول أجنبية. وعند فرض هذا التصنيف عام 1979، قيّد بشكل حاد المساعدات الخارجية الأمريكية، وقلّص تدفّق السلع الأمريكية إلى سوريا، لا سيما المواد ذات الاستخدام المزدوج.
ثانيًا، قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان الصادر عام 2003. فقد حظرت العقوبات بموجب هذا القانون الاستثمارات الأمريكية في سوريا، ومنعت الطائرات السورية من التحليق في الأجواء الأمريكية، وجمّدت أصول نظام الأسد آنذاك. والأهم بالنسبة للعلاقات التجارية الراهنة، أن القانون حظر أيضًا صادرات الولايات المتحدة من المواد الدفاعية والمواد ذات الاستخدام المزدوج إلى سوريا. ورغم تخفيف بعض القيود التجارية في 2 أيلول 2025، بما سمح بتصدير محدود لسلع مدنية، بما فيها أجهزة الاتصالات الاستهلاكية، وبعض المواد المرتبطة بالطيران المدني، لا تزال معظم البنود المدرجة على “قائمة الرقابة التجارية” خاضعة لمتطلبات ترخيص صارمة.
أما العائق الثالث المتبقي، فهو قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على استخدامها في الحروب لعام 1991. فعلى الرغم من أن الأمر التنفيذي 14312 الصادر في حزيران 2025 علّق التطبيق الإلزامي له، يظل القانون نافذًا، ويتيح للولايات المتحدة إعادة فرض العقوبات في حال ارتكاب انتهاكات تتعلق بانتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. ويُبقي هذا الإطار القانوني مخاطر إعادة فرض العقوبات قائمة، ما يقلص استعداد الشركات للدخول في ترتيبات صناعية طويلة الأجل تشمل مدخلات كيميائية مزدوجة الاستخدام.
وحتى في الحالات التي يُسمح فيها بالتبادل التجاري، تبقى مخاطر الامتثال مرتفعة. فبموجب برنامج “تعزيز المساءلة عن الأسد ودعم الاستقرار الإقليمي” التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، لا تزال العقوبات المستهدفة سارية بحق بشار الأسد ومقرّبيه، ومنتهكي حقوق الإنسان، والمتورطين في تجارة الكبتاغون، والأفراد المرتبطين بأنشطة تتعلق بانتشار الأسلحة المحظورة في سوريا، فضلاً عن المنتسبين إلى تنظيمي داعش والقاعدة، وكذلك إلى إيران ووكلائها.
أما التحدي الهيكلي الأبرز فيكمن في الأمر التنفيذي رقم 13224 الصادر عام 2001، الذي يُبقي تصنيف “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية. وقد أُسّست الجماعة على يد الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع، وقادت الحملة التي أسقطت نظام الأسد في أواخر عام 2024. بموجب هذا الأمر، يحق للحكومة الأمريكية تجميد أصول أي فرد أو كيان يقدّم دعمًا أو خدمات أو مساعدة لمنظمات مصنّفة على أنها إرهابية. وعلى الرغم من حلّ الهيئة رسميًا، يشكّل مقاتلوها اليوم نواة الجهاز الأمني السوري، ويشغل عدد من أعضائها السابقين مناصب حكومية، ويمارسون نفوذًا اقتصاديًا. يخلق هذا الواقع مخاطر قانونية كبيرة، إذ قد يعرّض وجود أفراد خاضعين للعقوبات داخل مؤسسات دولة تبدو مشروعة إلى تعريض تلك المؤسسات لإجراءات إنفاذ عندما يعجز الشركاء الأجانب عن الفصل الموثوق بين الجهات المصنّفة والأنشطة القانونية.
علاوة على ذلك، تؤدي الزيادة الأخيرة في الرسوم الجمركية إلى كبح الصادرات السورية إلى السوق الأمريكية. فبموجب الأمر التنفيذي رقم 14257، الذي عدّل معدلات “الرسوم الجمركية المتبادلة”، تخضع السلع السورية لرسوم متبادلة بنسبة 41 في المئة، إضافة إلى أي رسوم خاصة بالمنتج. وفي المقابل، يستفيد المصدّرون في مصر والأردن المجاورتين من بروتوكول “المناطق الصناعية المؤهلة” لعام 1996، الذي يتيح دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الأمريكية. وعليه، يدخل المنتج السوري السوق الأمريكية بسعر أعلى بما لا يقل عن 41 في المئة مقارنةً بسلعة مماثلة من منافس إقليمي. وتتفاقم هذه الفجوة بفعل حواجز غير جمركية، مثل أقساط التأمين المرتفعة المرتبطة بالمخاطر المرتفعة.
استمرار الامتثال المفرط في القطاع المصرفي
إلى جانب الرسوم الجمركية، خلفت سنوات العقوبات الطويلة أثراً أعمق تمثّل في ترسيخ سلوك تحوّطي مبالغ فيه داخل النظام المالي العالمي، فقد تبنت المصارف العالمية وشركات التأمين الدولية نهج “الابتعاد الوقائي”، حيث تفوق المخاطر القانونية والمخاطر المرتبطة بالسمعة في بعض الحالات العوائد التجارية المحتملة من التعامل مع سوريا. ومع مرور الوقت، تحوّل تقليل المخاطر من إجراء مؤقت إلى سياسة افتراضية، مدفوعة بالخوف من عقوبات لاحقة أو مراجعات تنظيمية صارمة.
ويتعزّز هذا الحذر أيضًا بعجز المصارف السورية والسلطات النقدية في دمشق عن الامتثال للمعايير الدولية في مجال مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يتجلى في استمرار إدراج سوريا على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي. ونتيجةً لذلك، غالبًا ما تتجاوز تكاليف العناية الواجبة ومخاطر الامتثال المرتبطة بالمعاملات ذات الصلة بسوريا العائدات المحتملة منها.
وحتى عندما تكون المعاملات مصرحًا بها رسميًا، تبقى العديد من المصارف الدولية غير مستعدة لتنفيذها. ويؤدي تراكم هذه القيود إلى تقويض شبكة العلاقات المراسلة المصرفية لسوريا تدريجياً، مما يؤدي إلى تعطيل التجارة بالكامل أو دفعها إلى قنوات غير رسمية وأقل شفافية.
الآفاق المستقبلية
إن استمرار القيود التجارية، وفرض الرسوم الجمركية المرتفعة، وبقاء الامتثال المصرفي المفرط، كلها مؤشرات على أن إلغاء بعض العقوبات الأمريكية مؤخرًا أزال حاجزًا واحدًا فقط— وإن كان مهمًا — أمام مسار التطبيع الاقتصادي.
ويتوقّف مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وسوريا اليوم على مدى القدرة على معالجة ما تبقى من عوائق قانونية ومالية ومؤسسية. فيما يتطلّب تحقيق ذلك انخراطًا مستدامًا ودعمًا متواصلًا من مؤسسات الدولة في كلا البلدين.
