الهشاشة الأمنية وتجارة الكبتاغون في جنوب سوريا

بقلم: رؤى عبيد  

إن سقوط نظام الأسد أعاد تشكيل مشهد إنتاج وتهريب الكبتاغون في سوريا. وقد أسهمت عمليات الضبط واسعة النطاق التي نفذتها السلطات الجديدة في تعطيل شبكات التهريب، ودعمت مسار إعادة اندماج سوريا اقتصاديًا على المستويين الإقليمي والدولي.

ومع ذلك، فإن استمرار نشاط الكبتاغون المتزايد في جنوب سوريا يسلط الضوء على قصور أوسع في السياسات المتبعة.

ووفقا لقاعدة بيانات تتبع ضبطيات الكبتاغون في الشرق الأوسط لمعهد نيولاينز، فقد ارتفع متوسط عدد الحبوب في كل عملية ضبط بحدة بعد سقوط النظام الأسد. ففي عام 2024، آخر أعوام الأسد في السلطة، بلغ متوسط عملية الضبط الواحدة 220 ألف حبة. وفي عام 2025، ارتفع الرقم إلى 2.1 مليون حبة، أي ما يقارب عشرة أضعاف.

مع ذلك، ما تزال بقايا تجارة الكبتاغون قائمة في البيئات التي تتقاطع فيها هشاشة المؤسسات المحلية والحرمان الاقتصادي مع عدم استقرار الأوضاع الأمنية. ويتجلى ذلك بصورة خاصة على طول الحدود الجنوبية لسوريا مع الأردن، ولا سيما في محافظتي درعا والسويداء، حيث أدى اختلاف القوى المسيطرة على المناطق، وهشاشة الأمن المحلي، وغياب فرص التنمية الاقتصادية، إلى تمكين بعض أجزاء تجارة الكبتاغون من الصمود والبقاء. 

ومع زوال الرعاية الحكومية في عهد الأسد، تحولت شبكات التهريب من نموذج الإنتاج والتهريب واسع النطاق، إلى مجموعات أصغر وأكثر تشتتاً وأقل قدرة. ويظهر هذا التحول في بيانات الضبطيات الأردنية الأخيرة، التي تشير إلى ارتفاع التهريب الجوي عبر البالونات مقارنة بالتهريب البري. وشكلت ضبطيات الكبتاغون المحمول عبر البالونات الحرارية المزودة بأنظمة تتبع GPS نحو 82% من عمليات الاعتراض الحدودية الأردنية السورية. يمكن للبالون الواحد أن ينقل كمية من الكبتاغون تصل إلى 120 ألف حبة كبتاغون، وهو عدد أقل بكثير من شحنات التهريب البري في عهد الأسد، التي كانت غالبًا تحمل ملايين الحبوب دفعة واحدة عبر الشاحنات.

وفي نفس الوقت، لا يسمح  تتبع بيانات الضبطيات الكبتاغون المعلن عنها إجراء تقييم قاطع للمنشأ الجغرافي الذي تصدر عنه. فالحدود السورية الأردنية تمتد عبر أربع محافظات جنوبي سوريا، وتشمل أراضي مفتوحة وعرة وجبلية. لذلك، يصعب تحديد ما إذا كانت شحنات البالونات الحرارية المحملة ب الكبتاجون المعترضة في الأردن تنطلق من ريف دمشق عبر البادية، أو السويداء، أو درعا أو حمص. وبدلاً من ذلك، تشير المصادر الميدانية والأبحاث المستقلة السابقة إلى أن هذه التجارة تستمد ديمومتها من شبكات محلية مرنة تتجاوز حدود المحافظات، وتخترق الانتماءات العرقية والطائفية والعسكرية.

وعليه فإن تفكيك ما تبقى من تجارة الكبتاغون في سوريا يتطلب تعزيز المؤسسات المحلية، واعتماد إجراءات تخفف الحرمان الاقتصادي، وتطوير مقاربة أمنية أكثر دقة، مُصممة خصيصاً لتتلاءم مع الديناميكيات المعقدة التي تتكشف في الجنوب السوري.





    العربيةالانكليزية