صناعة التهديد: سياسة اسرائيل في سوريا بعد الأسد

بقلم: تشارلز ليستر

شكّلت سوريا في عهد نظام بشار الأسد درّة تاج المشروع الإقليمي الإيراني. ولم تقتصر أهميتها على روابطها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية بإيران والميليشيات التابعة لها في أنحاء المنطقة؛ إذ أدّى مطارا دمشق وحلب الدوليان دورًا محوريًا في شبكة تهريب الأسلحة التي أدارتها إيران عبر الحدود، لتسليح حزب الله اللبناني بالدرجة الأولى. ونشأ مع اندلاع الحرب في سوريا ممرّ بري لنقل الأسلحة ومقاتلي الجماعات التابعة لإيران، وتولّى الحرس الثوري الإسلامي الإيراني إدارة عدد من منشآت البحث والتطوير العسكرية السورية، من بينها منشآت مخصّصة لتطوير القذائف الصاروخية والصواريخ.

شكّل سقوط نظام الأسد تحوّلًا جذريًا بالنسبة إلى إسرائيل، لكنها رأت فورًا في ظهور حكومة جديدة تهيمن عليها هيئة تحرير الشام وفصائل مسلحة أخرى تهديدًا محتملًا. تعود جذور الأزمة التي أعقبت ذلك إلى تبعات هجمات حماس في 7 تشرين الأول 2023، التي غيّرت جذريًا نظرة إسرائيل إلى أمنها القومي. فالأسد كان خصمًا تعرفه إسرائيل، بخلاف هيئة تحرير الشام. وبدل نهجها التقليدي القائم على الردع، سعت إسرائيل إلى تحييد التهديدات المستقبلية المحتملة بصورة استباقية. وينطوي هذا النهج في سوريا على مخاطرة كبرى بتحويل هذا التهديد إلى واقع.

رغم تبدّل حسابات إسرائيل للمخاطر في السنوات الأخيرة، لا تزال  ساحتها السياسية الداخلية   تشهد انقسامًا حادًا حيال نهج حكومة نتنياهو تجاه سوريا. ومع اقتراب الانتخابات العامة المقرّرة في 27 تشرين الأول 2026، ظهر الملف السوري كموضع خلاف. فقد وصف زعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان، القائد السابق للمنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، الغارات الجوية الأخيرة على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب بأنها “متغطرسة وخطيرة”، معتبرًا أنه “مجددًا، تُستخدم القوة العسكرية لاعتبارات سياسية”. كما وصف إيهود باراك، الذي سبق أن تولّى رئاسة الوزراء ورئاسة هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الغارات بأنها “متهوّرة وحمقاء”، وعدّها “تصعيدًا متعمّدًا”، متهمًا نتنياهو باللجوء إلى “مناورات مقامر مدمن يسعى إلى البقاء”.

تُظهر استطلاعات الرأي حاليًا تقدّم المعارضة على كتلة نتنياهو، فيما أعلن زعيم المعارضة غادي آيزنكوت رغبته في إعطاء الأولوية لـ”اتفاق مؤقت معدّل جذريًا في سوريا”.

وبعيدًا عن دوافع نتنياهو السياسية، يسود داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية توافق أعمق على بذل مزيد من الجهود في المحادثات مع سوريا. ودافع مستشار نتنياهو السابق للأمن القومي عن هذا التوجّه أيضًا في كانون الثاني 2026، داعيًا إلى اعتماد سياسة “سوريا أولًا” للبناء على المصالح المشتركة “اللافتة” بين القدس ودمشق. ويتيح ذلك فرصة للحكومة الأميركية، وهي الأقدر على إقناع أي حكومة إسرائيلية جديدة بتغيير نهجها وإعطاء الأولوية للدبلوماسية ولسياسة “الاختبار والتحقّق”.

بينما يمكن أن تستمرّ المحادثات التي استؤنفت بوساطة أمريكية خلال الأسابيع المقبلة، سيصعب تصوّر التوصّل إلى اتفاق قبل انتهاء الانتخابات الإسرائيلية. في الوقت الراهن، يجب أن تتركّز الجهود على تجنّب أي تصعيد إضافي. لكنّ مقوّمات التوصّل إلى اتفاق أمني موجودة، وقد عقدت الولايات المتحدة العزم على تحقيقه.





    العربيةالانكليزية