Karam Shaar Advisory LTD

رسم خريطة التعافي غير المتكافئ في سوريا عبر بيانات الإضاءة الليلية

الأمين نجّار، خبير بيانات جغرافية مكانية سوري ومؤسس Syria From Above

 

شكّل الانهيار المفاجئ لنظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 نهاية المرحلة المركزية من صراع خلّف سوريا مستنزفة ديموغرافيًا على نحو عميق، متهالكة ماديًا، ومفرغة اقتصاديًا. وكان العام الذي تلا ذلك حاسمًا، إذ جرى تعيين أحمد الشرع رئيسًا مؤقتًا، وتشكيل حكومة انتقالية، واندلاع اشتباكات طائفية دامية في الغرب والجنوب. وتوّجت هذه التطورات بإلغاء قانون قيصر الأمريكي في أواخر كانون الأول 2025.

وعلى الرغم من ظهور مؤشرات على التعافي عام 2025، بما في ذلك دلائل منسجمة مع نمو اقتصادي، وعودة أكثر من ثلاثة ملايين سوري، وتحسّن في الخدمات الأساسية، ما تزال البيانات الاقتصادية الموثوقة شحيحة. وعليه، يبقى اجراء تقييم شامل لمسار التعافي صعبًا. و للمساهمة في سد الفجوة المعرفية، يعتمد هذا المقال على بيانات الإضاءة الليلية المستمدة من الأقمار الصناعية لتقديم تقييم محايد قائم على البيانات لتعافي سوريا بعد عام واحد على سقوط الأسد.

تلتقط بيانات الإضاءة الليلية أساسًا الأنشطة المعتمدة على الكهرباء النظامية المتصلة بالشبكة، مثل الإنارة العامة، والصناعة، والمنشآت التجارية الكبرى، ولا ترصد معظم استخدامات الطاقة الشمسية خارج الشبكة أو الاستهلاك المنزلي. وفي المناطق ذات الاعتماد المرتفع على الطاقة الشمسية، كما في شمال شرق سوريا، قد تُقلّل هذه البيانات من تقدير مستوى النشاط الاقتصادي المحلي. وعليه، ينبغي تفسير النتائج بوصفها مؤشرًا بديلًا للتعافي القائم على الشبكة الكهربائية، لا مقياسًا شاملًا للحياة الاقتصادية. ويُظهر التحليل دلائل على التعافي في معظم المدن السورية الكبرى خلال عام 2025، غير أن هذا التعافي جاء مجزأً جغرافيًا.

 

 

الديناميكيات الزمنية للتعافي

توفّر بيانات الإضاءة الليلية، كما يظهر في الرسم أعلاه، نظرة تمتد لثلاث سنوات لمسار سوريا. وتُظهر البيانات زيادة سنوية متواضعة في عام 2024، قادتها أساسًا المدن الواقعة خارج سيطرة نظام الأسد. وشكّل انهيار النظام نقطة تحوّل سرّعت هذا الاتجاه، مع تغيير في محركاته الجغرافية الرئيسية.

ومع دخول قرار تخفيف العقوبات الأوروبية حيز التنفيذ في شباط 2025، كانت سوريا قد دخلت مرحلة جديدة في ديناميكيات الإضاءة الليلية. فقد تسارع النمو بشكل حاد حتى أيار، ليصل إلى مستويات لم تُسجّل منذ مطلع عام 2023. وتزامن هذا الارتفاع مع عدة تطورات، من بينها الإبلاغ عن عودة طوعية لأكثر من 600 ألف لاجئ، وتخفيف أمريكي مستهدف للعقوبات على مصرف سورية المركزي والموانئ السورية.

وتعرّض هذا الاتجاه الإيجابي لاضطراب مؤقت في تموز، بالتزامن مع اشتباكات طائفية دامية في السويداء. لكن سرعان ما تعافى المتوسط الوطني في آب، و استمر بالارتفاع حتى تشرين الثاني، وهو آخر شهر تتوافر عنه البيانات. كما شهد آب تفعيل صفقة شركة “غاز سوكار” وخط أنابيب كلس–حلب، ما عزّز توليد الكهرباء وأسهم على الأرجح في رفع مستويات الإضاءة الليلية.

وقد تجاوز المسار التصاعدي المستمر في عام 2025 النمط الموسمي الذي ميّز عامي 2023 و 2024، حيث كانت الإضاءة ترتفع صيفًا مع تحسّن توفر الكهرباء وتنخفض شتاءً مع زيادة الضغط على الشبكة. ويعزّز هذا التحوّل فرضية تعافٍ ذي طابع بنيوي يتجاوز التقلبات الظرفية.

 





    العربيةالانكليزية

    الديناميكيات المكانية للتعافي

    سجّلت جميع المدن السورية الكبرى، باستثناء السويداء والحسكة، نموًا سنويًا مزدوج الرقم في الإضاءة الليلية خلال عام 2025، كما يظهر في الرسم أعلاه. غير أن إدراج خط الأساس لعام 2024 يكشف صورة أكثر تعقيدًا، ويُظهر أنماطًا متباينة من الزخم والاستقرار.

    فعلى سبيل المثال، لم يقتصر نمو حلب على زيادة بنسبة 61 في المئة في عام 2025، بل تسارعت وتيرة تعافيها عقب انهيار نظام الأسد. وعلى النقيض، حققت إدلب والرقة نموًا قويًا مزدوج الرقم في عام 2025، إلا أن وتيرة هذا النمو كانت أبطأ مقارنة بعام 2024، ما يشير إلى تباطؤ في مسار التعافي.

    وعلى الطرف الآخر من الطيف، تراجعت السويداء بنسبة 32 في المئة في عام 2025، مواصلةً انكماشًا متسارعًا بدأ في عام 2024. ويُعزى هذا المسار إلى الاشتباكات الطائفية في تموز، التي ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية الكهربائية نتيجة القصف والغارات الجوية، وعطّلت الوصول إلى الوقود وأعمال الإصلاح بفعل الحصار وأعمال التخريب.

    وبمجملها، تتوزع هذه الاتجاهات ضمن خمسة أنماط مميزة لنمو الإضاءة الليلية عبر المدن السورية الكبرى: تسارع، تباطؤ، ارتداد، انتكاس، وانهيار. وتُظهر هذه الأنماط أن التعافي لا يتحدد بالحجم فحسب، بل بالاتجاه والوتيرة عبر الزمن.

     

     

    التوزيع المكاني للتغير

    يُظهر الرسم أعلاه أن معظم المدن السورية في عام 2025 شهدت نموًا إيجابيًا غالبًا في الإضاءة الليلية، مع تراجعات محدودة ومجزأة في نطاقات محددة. ويشير هذا النمط إلى زيادة عامة في النشاط المعتمد على الشبكة وتوافر الكهرباء عبر معظم المناطق الحضرية.

    وتبرز القامشلي بوصفها استثناءً جزئيًا. فعلى الرغم من تعافيها من تراجع مزدوج الرقم في عام 2024، ما تزال أجزاء واسعة من المدينة تُظهر انكماشًا، بما يدل على تعافٍ غير متكافئ وغير مكتمل.

    وفي المقابل، تُظهر السويداء والحسكة تراجعًا واسع النطاق عبر معظم مساحاتهما الحضرية، مع خلايا نمو نادرة وشديدة المحلية. ويشير هذا النمط إلى وضع طاقي متدهور أو شديد القيود، مع دلائل محدودة على تعافٍ مستدام.

     

     

    المحددات السياسية للتعافي

    يكشف تصنيف البيانات وفق الجهة المسيطرة عن أفضلية واضحة للمدن الخاضعة لسلطة الحكومة الانتقالية، كما يظهر في الرسم أعلاه. فقد سجّلت المدن التسع الواقعة تحت هذه السلطة نموًا مزدوج الرقم في الإضاءة الليلية خلال عام 2025، تراوح بين 17 و61 في المئة.

    وعلى النقيض، جاء التعافي في الشمال الشرقي متباينًا. إذ سجّلت مدينتان من أصل ثلاث مدن خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية نموًا بنسبة 22 و28 في المئة، في حين تراجعت الحسكة بنسبة 3 في المئة.

    وسجّلت المدينة الوسيطة الواقعة تحت سيطرة الحكومة الانتقالية نموًا أعلى بنسبة 66 في المئة، بمتوسط بلغ 36.2 في المئة، مقارنة بالمدينة الوسيطة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي بلغ نموها 21.8 في المئة. ويظهر هذا الفارق أيضًا مكانيًا، مع نمو أكثر تجانسًا في المدن التي تسيطر عليها الحكومة الانتقالية، وأنماط أكثر تجزؤًا في مناطق أخرى، كما يبيّنه رسم التوزيع المكاني أعلاه.

    وأخيرًا، تبقى السويداء، وهي المدينة الكبرى الوحيدة الخاضعة لسيطرة فصائل درزية محلية، حالة شاذة، بعد تسجيلها تراجعًا بنسبة 32 في المئة. وتُشير هذه الأنماط مجتمعة إلى أن هياكل السلطة السياسية لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل مسار التعافي في سوريا خلال عام 2025.

    الخلاصة

    بعد عام واحد على سقوط نظام الأسد، تُشير بيانات الإضاءة الليلية إلى أن سوريا دخلت مرحلة تعافٍ تتسم بتحسن هيكلي، لا بتقلبات قصيرة الأجل. ومع ذلك، يظل هذا التعافي مجزأً جغرافيًا.

    ورغم أن بيانات الأقمار الصناعية لا تستطيع قياس الرفاه، أو جودة الحوكمة، أو فعالية المؤسسات، فإنها توفّر عدسة محايدة لتقييم ديناميكيات التعافي المبكرة في ظل غياب إحصاءات اقتصادية موثوقة. ومع بدء ترجمة إلغاء قانون قيصر الأمريكي إلى تغيّرات مادية على الأرض، واستمرار تطور الترتيبات السياسية، ستوفّر التحولات المستقبلية في أنماط الإضاءة الليلية إشارة مبكرة إلى ما إذا كان تعافي سوريا سيتماسك أو سيتشظّى أكثر على أسس سياسية.

     
    Scroll to Top