الصين في سوريا: استثمارات محدودة الأصول
تشير بيانات التجارة والاستثمار لعام 2025 إلى مقاربة صينية مزدوجة تجاه سوريا، فبينما تواصل بكين توخّي الحذر دبلوماسيًا وتربط أي انخراط واسع النطاق بضمانات أمنية، بدأت شركات صينية خاصة في اختبار السوق. وتُظهر بيانات جمركية مفصّلة ارتفاعًا ملحوظًا في التدفقات التجارية خلال الربع الرابع من عام 2025. يُحتمل أن يكون هذا التحول مرتبطًا جزئيًا بزيادة الشحن البحري المباشر بدلًا من بعض المسارات البرية خاصة عبر تركيا. وفي الوقت نفسه، انخرطت شركات صينية خاصة في عقود إدارة محدودة لمناطق صناعية في سوريا.
لا يرقى هذا النشاط إلى مستوى جهود تقودها الحكومة الصينية لإطلاق عملية إعادة إعمار رسمية. فرغم تحسّن الخطاب الرسمي الصيني، تبقى مقاربة بكين مقيّدة بالمخاطر الأمنية، اضافة إلى حساسية الحكومة السورية تجاه الاقتراض، وضعف الأوضاع المالية وظروف السوق، وهي عوامل مجتمعة تحدّ من عمق العلاقات الاقتصادية بين الصين وسوريا في المدى القريب.
مؤشرات على تنامي الحضور التجاري
تسارع الدخول الصيني المباشر إلى السوق خلال الربع الرابع من عام 2025. وتُظهر بيانات الإدارة العامة للجمارك في الصين أن إجمالي الصادرات إلى سوريا بلغ 668.1 مليون دولار أمريكي خلال العام، مدفوعًا بزيادة حادة في الربع الرابع. وارتفع متوسط الصادرات الشهرية من نحو 30 مليون دولار في النصف الأول من العام إلى 115.5 مليون دولار في كانون الأول.
ومع ذلك، ورغم هذا التعافي، يبقى حجم التجارة الثنائية بين البلدين دون مستويات عام 2010 التي بلغت نحو 2.4 مليار دولار.
لاتزال العلاقة التجارية غير متكافئة بدرجة كبيرة. فقد بلغت الصادرات السورية إلى الصين نحو 1.26 مليون دولار في عام 2025، أي أقل من 0.2 في المئة من قيمة الصادرات الصينية إلى سوريا. ويعكس هذا الاختلال اعتماد سوريا المزمن على السلع الاستهلاكية المستوردة، وهو اعتماد تفاقم بفعل تآكل القاعدة الإنتاجية جراء الحرب، وتخفيف الحواجز التجارية.
هيمنة السلع الاستهلاكية وقطع الغيار
خلال الفترة من كانون الثاني إلى أيلول 2025، وهي أحدث فترة تغطيها بيانات الجمارك الصينية، هيمنت السلع الاستهلاكية ومدخلات الخدمات اللوجستية على الواردات الصينية. ومن حيث القيمة، تصدرت الإطارات المطاطية (نحو 21.1 مليون دولار)، والأقمشة الصناعية (نحو 12.8 مليون دولار)، وأجهزة التلفاز بتقنية LCD (نحو 6.1 ملايين دولار). ويشير هذا النمط إلى طلب أسري، وتنامي الطلب من قبل المشاريع صغيرة، لا إلى نشاط مرتبط بإعادة إعمار.
كما تعكس بعض الواردات المتخصصة، مثل معدات الطاقة الكهروضوئية (نحو 4.1 ملايين دولار)، إلى استجابة خاصة لا مركزية لنقص الطاقة في سوريا. غير أن وصول 16 ألف طن من الحديد الصناعي في تشرين الأول، لا يشكّل بعد دليلًا على انخراط صيني مستدام أو واسع النطاق.
استثمارات محدودة الأصول
في ظل غياب التمويل السيادي أو مشاريع بنية تحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق، اتسم نشاط الاستثمار في عام 2025 بكونه مدفوعًا في معظمه بشركات خاصة، لا بتمويل إعادة إعمار مدعوم من بكين. من أبرز الأمثلة على ذلك، الاتفاق الممتد لعشرين عامًا الموقّع في أيار 2025 من قبل شركة “فيدي للمقاولات” المرتبطة بشركة التكنولوجيا الصينية “AOJ-Technology”، لإدارة المنطقتين الصناعيتين في حسياء وعدرا. يعكس هذا التوجه استراتيجية تفضل الدخول إلى السوق عبر عقود إدارة وتشغيل بدلًا من استثمارات كثيفة رأس المال.
وتعزّز ملفات الجريدة الرسمية هذا الاتجاه، إذ تشير تسجيلات الشركات في عام 2025، بما فيها “Xuli ZhongSe LLC” (في قطاع الصلب) و”Zhong Investment LLC” (قطاع التعدين والطاقة)، إلى تنامي الاهتمام بالقطاعات الاستخراجية والصناعية. وتتيح هذه المقاربة للشركات الصينية تثبيت مواقعها في عقد استراتيجية دون تحمّل المخاطر المالية المرتبطة بالمشاريع واسعة النطاق.
وعلى المستوى الدبلوماسي، أفادت تقارير بأن وزير الخارجية الصيني رحّب بانضمام سوريا إلى مسار التعاون ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، مع التشديد على ضرورة اتخاذ سوريا “إجراءات فعّالة” لمنع الجماعات الإرهابية من تقويض المصالح الصينية.
قيود مالية وأمنية هيكلية
على الرغم من التعافي المحدود للتدفقات التجارية أواخر عام 2025، أبقت بكين الدعم المالي الموجّه من الدولة ضمن حدود ضيقة. وخلال زيارة وزير الخارجية السوري إلى الصين في تشرين الثاني 2025، تعهّدت بكين بتقديم 380 مليون يوان (نحو 52 مليون دولار) كمساعدات. ويعكس هذا الرقم حسن نية دبلوماسيًا، لكنه يظل ضئيلًا قياسًا باحتياجات إعادة الإعمار المقدرة بالمليارات، وبالتعهدات المقدّمة من الاتحاد الأوروبي وتركيا ودول الخليج.
وتعود القيود التي تحد من الانخراط الصيني إلى عوامل اقتصادية وسياسية. فضعف الوضع المالي لسوريا، وغموض تصنيفها الائتماني السيادي، ومحدودية قدرتها على ضمان العوائد — وهي شروط غالبًا ما تُعدّ متطلبات مسبقة للتمويل الصيني المدعوم من الدولة — تجعل الإقراض شبه مستحيل. كما تعزز التصريحات العلنية لمسؤولين سوريين بعدم نية الحكومة السورية بالاعتماد على الديون خارجية أو الاقتراض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، سبب امتناع بكين عن دعم مشاريع إنشائية واسعة النطاق تُموَّل عادةً بالقروض.
وتعزّز الاعتبارات الأمنية هذه الحدود. إذ يفرض استمرار وجود مقاتلين أجانب، بمن فيهم من أُدرجوا ضمن الفرقة 84 في الجيش السوري الجديد، سقفًا دبلوماسيًا صارمًا للعلاقات بين بكين ودمشق. وفي تشرين الثاني 2025، كانت الصين العضو الوحيد في مجلس الأمن الذي امتنع عن التصويت على إزالة اسم الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع ووزير داخليته من قائمة الإرهاب. وعزت بكين موقفها إلى مخاوف بشأن هشاشة البيئة الأمنية وصعوبة مكافحة الإرهاب خلال المرحلة الانتقالية السياسية.


