توسّع الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب غرب سوريا
أطلقت القوات العسكرية الإسرائيلية، بعد ساعات من وصول مقاتلي المعارضة إلى دمشق في 8 كانون الأول 2024، عملية برية واسعة النطاق داخل سوريا، سيطرت خلالها على المنطقة منزوعة السلاح القائمة منذ 50 عامًا، وتقدمت إلى عمق مناطق من غرب درعا والقنيطرة. وجرت السيطرة، في المجمل، على نحو 350 كيلومترًا مربعًا من الأراضي، امتدت هذه المساحة من جبل الشيخ في أقصى الشمال إلى أجزاء من حوض اليرموك في محافظة درعا جنوباً. وبالتوازي، شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية، خلال فترة الثماني والأربعين ساعة بعد سقوط النظام، ما لا يقل عن 350 غارة جوية في أنحاء سوريا، استهدفت بنى عسكرية تابعة للنظام السابق. وتلت ذلك مئات الضربات الإضافية خلال ما تبقى من كانون الأول، ليبلغ العدد الإجمالي قرابة ألف ضربة حتى 8 كانون الأول 2025.
وشهد عام 2025، بعد ترسيخ السيطرة على هذه «المنطقة العازلة» الموسعة، تنفيذ القوات العسكرية الإسرائيلية مئات التوغلات البرية داخل سوريا، وفق بيانات جمعهتا Syria Weekly. كما أُنشئت وبُنيت تسع قواعد على الأقل لجيش الدفاع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية المحتلة حديثًا (انظر الخريطة أدناه).
انطوت التوغلات البرية الإسرائيلية الأولى في جنوب غرب سوريا على تدمير قواعد ونقاط عسكرية تابعة للنظام السابق، تلاها إنشاء بنى عسكرية جديدة. وشملت هذه العمليات زرع حقول ألغام، والاستيلاء على منازل وهدمها، وتهجير المدنيين قسرًا، وتجريف الأراضي الزراعية والمناطق الحرجية. وامتد ذلك إلى تجريف أكثر من 110 فدان (نحو 45 هكتاراً) من غابة جباتا الخشب التاريخية، وإلى إفراغ مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من سكانها، وفرض قيود على وصول السوريين المحليين إليها. وتعرض المزارعون والرعاة الذين حاولوا دخول أراضيهم أو استخدامها ضمن مرمى النيران الإسرائيلية لإطلاق نار حي بصورة متكررة. وأُصيب القطاع الزراعي المحلي بالشلل في هذه المنطقة الريفية بامتياز.
ونُفّذ، منذ حزيران 2025، ما معدله 17.5 توغلًا بريًا إسرائيليًا أسبوعيًا. وتضمنت هذه التوغلات عادة دوريات مدرعة تمر عبر مناطق مأهولة، يعقبها إنشاء حواجز مؤقتة على الطرق الرئيسية، حيث يُوقَف جميع المدنيين السوريين المارين، ويُفتَّشون، ويُستجوَبون، وتُفحَص هواتفهم. وجُمعت في بعض الحالات بيانات بيومترية. كما تتضمن هذه التوغلات، بشكل متكرر، مداهمات عسكرية لمبانٍ سكنية ومحالّ تجارية، وأحياناً مدارس. وقد أُوقف عشرات الرجال السوريين خارج إطار القضاء على يد قوات الجيش الإسرائيلي، ونُقلوا إلى داخل الأراضي الإسرائيلية للتحقيق، ليُفرج عنهم لاحقاً في كثير من الحالات في مناطق ريفية ويُتركون ليجدوا طريقهم إلى منازلهم بعد يوم أو يومين. ولا يزال ما لا يقل عن اثني عشر رجلاً رهن الاحتجاز الإسرائيلي، فيما تبقى أماكن وجودهم مجهولة.
اقتصر رد الحكومة السورية، على مدار العام الماضي، على إصدار بيانات إدانة علنية عبر وزارة الخارجية وتقديم شكاوى إلى الأمم المتحدة. وحافظ ضباط من وزارة الداخلية السورية المتمركزون في درعا، رغم عدم الإقرار العلني بذلك، على قنوات اتصال مع نظرائهم الإسرائيليين، وجرى هذا التواصل، خلال فترات التوتر المرتفع، على المستوى الوزاري. ومع ذلك، تبرز مخاطر جدية بأن تتحول الأفعال الإسرائيلية إلى نبوءة تحقق ذاتها، إذ قد تسهم الإجراءات المستمرة المتخذة ضد تهديد غير قائم في نشوء تهديد حقيقي.
وسُجّلت في هذا السياق مواجهتان داميتان خلال عام 2025، من دون مشاركة أي من عناصر الحكومة السورية في أيٍّ منهما:
- آذار 2025، كويا، درعا: قُتل سبعة رجال محليين على يد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي بعد مقاومتهم توغلًا.
- تشرين الثاني 2025، بيت جن، ريف دمشق: قُتل أربعة عشر شخصًا بعد مقاومة عدد من الرجال المحليين لمداهمة نفذها جيش الدفاع الإسرائيلي.
انهارت، بعد أشهر من الوساطة الأميركية، عدة جولات من المحادثات المباشرة بين سوريا وإسرائيل، التي شارك فيها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي آنذاك رون ديرمر، في أواخر أيلول. وفي الفراغ الذي أعقب ذلك، كثفت إسرائيل نشاطها العسكري في سوريا بصورة حادة، فنفذت قرابة 200 توغل خلال تشرين الثاني وكانون الأول، أي ما يقارب ضعف المتوسط الشهري المسجل في وقت سابق من العام. وبدا أن هذا المستوى القياسي من التوغلات، إلى جانب تصعيد الضربات الجوية والمدفعية، شكّل أداة ضغط تهدف إلى انتزاع تنازلات من الحكومة السورية. واستؤنفت المحادثات المباشرة في 5 كانون الثاني، عقب طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
تركزت جهود الوساطة الأميركية، في الوقت الراهن، على التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، يضمن الهواجس الأمنية الإسرائيلية، ويضع حدًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا، ويهيئ الثقة اللازمة لدفع انسحاب إسرائيلي محتمل من الأراضي المحتلة منذ 8 كانون الأول 2024. وتواصل إسرائيل، من جهتها، المطالبة بـ«نزع السلاح» من جنوب سوريا، بما قد يسمح، وفق مآلات المفاوضات، بوجود عناصر من وزارة الداخلية السورية. كما تصر على الاحتفاظ بجميع مواقعها في جبل الشيخ.
سعى الرئيس الأميركي ترامب وإدارته، بعد أن ربطوا جزءًا معتبرًا من رصيدهم بنجاح المرحلة الانتقالية في سوريا، إلى خفض التصعيد في التوترات السورية الإسرائيلية وتسهيل التوصل إلى مخرجات تفاوضية. ودفعت كثافة التوغلات البرية الإسرائيلية خلال تشرين الثاني، إلى جانب مقتل 14 شخصًا في بيت جن في 28 تشرين الثاني، جهودًا متجددة من جانب الجيش الأميركي وكبار مسؤولي إدارة ترامب والرئيس نفسه لإيصال رسائل امتعاض تجاه إسرائيل.
يبقى تصور انسحاب إسرائيلي من أراضٍ تعمل فيها حاليًا ما لا يقل عن تسع قواعد عسكرية أمرًا بالغ الصعوبة، رغم استئناف المحادثات المباشرة وإعادة تشكيل فريق التفاوض الإسرائيلي بقيادة شخصيات أكثر انفتاحًا علنًا على إبرام اتفاقات مع سوريا. ويأتي ذلك في وقت نُشرت فيه كتيبة الحشمونائيم الإسرائيلية الأرثوذكسية الجديدة في مناطق سورية محتلة، وظهرت فيه معطيات عن استمرار المساعدات الإسرائيلية لميليشيات درزية في السويداء، وعن زيارات حديثة لشخصيات من نظام الأسد إلى إسرائيل، ما يجعل التوترات الأوسع التي تحدد التحديات المعروضة في هذا المقال راسخة بعمق كما كانت سابقًا.
