Karam Shaar Advisory LTD

مساهمة خارجية – إدارة التعدد الديني: كيف تتعامل القيادة السورية الجديدة مع الإسلام السني

Thomas Pierret

توماس بيريه، باحث أول في المركز الوطني للبحث العلمي في جامعة إيكس-مرسيليا

 

في 15 و 16 شباط، عقدت وزارة الأوقاف السورية أول مؤتمر لها منذ سقوط نظام الأسد. وقد جمع المؤتمر نحو 1,500 رجل دين من مختلف أنحاء البلاد، وكشف خلاله عن ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي، الذي قُدّم بوصفه “عهدًا وطنيًا للعلماء والخطباء“. وفي كلمته، وصف الرئيس أحمد الشرع المبادرة بأنها خطوة حاسمة للحد من “التحريض الطائفي”، مؤكدًا أهمية الوثيقة في تعزيز التعايش بين المكونات.

غير أن كلاً من المؤتمر والميثاق اقتصر عملياً على إطار سني داخلي. ولا يعكس ذلك فقط التوجه السني للسلطات الجديدة، بل يكشف أيضاً عن واقع مؤسسي أعمق: فحتى في عهد الأسد، لم تمارس وزارة الأوقاف سوى قدر محدود—إن وُجد—من السلطة على النخب الدينية العلوية أو الدرزية أو الإسماعيلية أو الشيعية الاثني عشرية.

في هذا السياق، تشير “الوحدة” التي يسعى الميثاق إلى ترسيخها أساسًا إلى تحقيق الانسجام بين التيارين السنيين الرئيسيين في سوريا: التيار التقليدي الذي هيمن تاريخيًا ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتصوف، ونظيره السلفي الذي اكتسب أنصاره نفوذًا غير مسبوق في ظل النظام الجديد. ويهدف ميثاق “وحدة الخطاب الإسلامي” إلى توحيد كلمة أهل العلم والدعاة في سوريا، وذلك من خلال انشاء عقداً وطنياً جامعاً لأهل العلم والدعاة في سوريا بمختلف مدارسهم.

مع ذلك، لا يمكن اختزال الانقسامات داخل المجال الديني السني في سوريا في ثنائية بسيطة بين التقليديين والسلفيين. ففي كلمته أمام المؤتمر، أقر مستشار الرئيس للشؤون الدينية عبد الرحيم عطون بهذا التعقيد، مع الإشارة بوضوح إلى سعي النظام إلى مركزية الحقل الديني تحت سلطة الدولة. وباستخدام لغة لافتة تشبه إلى حد كبير تلك التي استخدمها وزير الأوقاف السابق في عهد الأسد محمد عبد الستار السيد عشية انتفاضة عام 2011، دعا عطون إلى الانتقال من الواقع الحالي، الذي يتسم بوجود “مؤسسات دينية متفرقة”، إلى “الاندماج في خطة تضعها الدولة”. ووفقًا له، سيضمن هذا الاندماج “وحدة النشاط الديني وتماسكه” مع الحفاظ في الوقت نفسه على التنوع العقدي.

وقد تجسد هذا التوجه نحو توسيع البيروقراطية الدينية للدولة بالفعل في إنشاء دوائر جديدة داخل وزارة الأوقاف، مثل الدوائر المكلفة بالإشراف على الحلقات (دروس المساجد غير الرسمية) والرقية (العلاج بالآيات القرآنية والأدعية). و رغم أن الوقت ما يزال مبكرًا لتقييم كيفية تطور هذه الطموحات، فإن التعيينات التي أُجريت حتى الآن داخل المؤسسات الدينية تشير إلى نهج براغماتي واضح لدى النظام الجديد. فبدل تعيين شخصيات سلفية مرتبطة بهيئة تحرير الشام في جميع المناصب، منح الشرع دورًا بارزًا لعدد من الفاعلين الدينيين الآخرين. ويأتي في مقدمتهم أعضاء المجلس الإسلامي السوري، وهو هيئة تأسست في إسطنبول عام 2014 على يد علماء معارضين.

حتى عام 2024، كان المجلس الإسلامي السوري في الظاهر على خلاف سياسي وعسكري مع هيئة تحرير الشام، إذ ارتبط بالائتلاف الوطني السوري والحكومة السورية المؤقتة والجيش الوطني السوري، كما أصدر عددًا من الفتاوى التي أدانت تنظيم الشرع. وعلى الرغم من هذا التاريخ التصادمي، أدرك الرئيس الجديد أن قادة المجلس يتمتعون بشرعية دينية تفوق بكثير شرعية العلماء المرتبطين بهيئة تحرير الشام. ولذلك عيّن في آذار 2025 رئيس المجلس الشيخ التقليدي أسامة الرفاعي مفتيًا عامًا للبلاد، مع إصدار قرار بحل المجلس نفسه وإغلاق الموقع الإلكتروني الذي كان يستضيف فتاواه المناهضة لهيئة تحرير الشام.

حصل أعضاء المجلس الإسلامي السوري السابقون على ستة مقاعد من أصل خمسة عشر في مجلس الإفتاء الأعلى الذي يرأسه الرفاعي. مع مراعاة أن تعكس تركيبة الأعضاء التنوع الداخلي الذي كان يميز المجلس سابقاً. كما عُيّن أبو الخير شكري، وهو من المقربين من الرفاعي، وزيرًا للأوقاف في آذار 2025، ويُعتقد أن هذا الاختيار يرتبط بكونه قد درّس دروسًا دينية لأحمد الشرع في شبابه في مسجد الشافعي بحي المزة في دمشق. وينتمي مفتي حمص سهل جنيد وخير الله طالب إلى مكونين رئيسيين في المجلس الإسلامي السوري، هما رابطة علماء الشام المرتبطة بالإخوان المسلمين والهيئة الإسلامية الشامية ذات التوجه السلفي.

ورغم أن الشخصيات المرتبطة بهيئة تحرير الشام يشغلون مقعدًا أقل من أعضاء المجلس السابقين داخل مجلس الإفتاء الأعلى، فإنهم يتولون مناصب موازية لا تقل أهمية من الناحية الاستراتيجية. فقد أُنشئ منصب مستشار الرئيس للشؤون الدينية الذي يشغله عطون بشكل خاص في أيار 2025 لموازنة تعيين الرفاعي مفتيًا عامًا. كما يشغل مظهر الويس منصب وزير العدل، ويعمل أنس الموسى مساعدًا لوزير الأوقاف لشؤون التعليم الديني، ويتولى إبراهيم شاشو منصب مفتي حلب.

تتكون كتلة ثالثة أصغر داخل مجلس الإفتاء الأعلى من أربعة علماء تقليديين بقوا في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام خلال سنوات الحرب. ويرتبط عدد منهم بمؤسسات دينية كانت متحالفة مع النظام السابق، وهو ما يشير إلى تفضيل الشرع نهج الاحتواء بدل تنفيذ عملية إقصاء  واسعة. ومن بينهم عبد الفتاح البزم، مدير معهد الفتح الإسلامي ومفتي دمشق منذ عام 1993، وكذلك محمد وهبي سليمان، رئيس أكاديمية كفتارو، وهي مدرسة دينية تحمل اسم المفتي العام في عهد البعث أحمد كفتارو (1964–2004).

وتعكس التعيينات على المستويات الأدنى صورة مماثلة من التوازن. فقد جرى توزيع مديريات الأوقاف في المحافظات بين أعضاء سابقين في المجلس الإسلامي السوري—مثل سمير بيرقدار في دمشق، ورفعت عبد الفتاح في ريف دمشق، ومعاذ ريحان في حماة—وبين شخصيات مرتبطة بهيئة تحرير الشام، مثل عبد الحميد الخلف في إدلب، وسمير الحمود في حمص، وخالد عمرو في اللاذقية. كما لم يشهد قطاع المساجد استبدالاً شاملاً للكادر القائم برجال دين سلفيين. ففي دمشق، حيث تمكنتُ من إجراء بحث ميداني في كانون الأول 2025، وكذلك في حلب، بقي معظم الخطباء في مواقعهم بعد سقوط الأسد أو استُبدلوا برجال دين عائدين ذوي توجه تقليدي.

مع ذلك، فقد أدّى سعي الشرع في إحكام السيطرة إلى تركيز عدد من المناصب العليا الحساسة في يد شخصيات مرتبطة بهيئة تحرير الشام. ويشمل ذلك منصبي نائب وزير الأوقاف (أنس الموسى وضياء الدين برشا)، ومدير إدارة التعليم الشرعي (عبد الرحمن رحمون)، ورئاسة الإدارة المركزية للمساجد. وتُعد هذه الأخيرة هيئة رقابية مهمة أُنشئت لأول مرة في إدلب في ظل حكومة الإنقاذ السورية المرتبطة بهيئة تحرير الشام، ويترأسها حاليًا سراج الدين زريقات، وهو شخصية مثيرة للجدل سبق أن قاد الفرع اللبناني لتنظيم كتائب عبد الله عزام الجهادي.

تجسد عبارة “التنوع في الوحدة”، التي استخدمها مستشار الرئيس عطون في كلمته المشار إليها، مقاربة النظام السوري الجديد تجاه الإسلام السني. فقد أبدى النظام استعدادًا لاستيعاب العلماء التقليديين، ولا سيما المنتمين سابقًا إلى المجلس الإسلامي السوري، بل ومنحهم أولوية على الشخصيات السلفية المرتبطة بهيئة تحرير الشام عند توزيع المناصب الدينية العليا. غير أن الشرع، بدل تسليم المجال الديني لخصومه السابقين، يحتفظ بسيطرة وثيقة على البيروقراطية الإسلامية في سوريا من خلال أقلية موالية معطِّلة داخل مجلس الإفتاء الأعلى، ودور عطون الفعلي بوصفه “مفتي ظل”، إضافة إلى توزيع مدروس للمناصب التنفيذية الرئيسية داخل وزارة الأوقاف.

 





    العربيةالانكليزية

     
    Scroll to Top

    Not a member yet?