Karam Shaar Advisory LTD

مجلس الشعب السوري 2025: نتائج الانتخابات وفجوات التمثيل

بعد نحو عام على سقوط نظام الأسد، شكّلت الانتخابات البرلمانية التي جرت في تشرين الأول 2025 أول اختبار مؤسسي حقيقي للمرحلة الانتقالية. وفي حين يعمل مجلس الشعب الجديد ضمن إطار دستوري غير مكتمل—ولا سيما في ظل غياب محكمة دستورية عليا ومجلس قضائي أعلى، ما يقيّد استقلاليته وقدرته الرقابية—يركّز هذا المقال على سؤال مختلف، يتمثّل في مدى تمثيل الأعضاء المنتخبين في المجلس للمجتمع السوري، وذلك قبيل استكمال التعيينات الرئاسية المتبقية.

 

و بالاستناد إلى قاعدة بيانات تحليلية قمنا ببنائها اعتماداً على تتبّع منهجي لمصادر مفتوحة حول خلفيات الأعضاء المنتخبين، قمنا بتطوير أداة تفاعلية خاصة بمجلس الشعب السوري تتيح للمستخدمين تتبّع الأعضاء عبر مجموعة من المتغيّرات الديموغرافية والمهنية الأساسية، وتقييم مستوى التمثيل العام داخل المجلس.

 

أُجريت انتخابات عام 2025 وفق نظام انتخابي غير مباشر بموجب مرسومين عامّين، أنشآ اللجنة العليا للانتخابات وحدّدا عدد أعضاء مجلس الشعب بـ210 أعضاء، منهم 140 عضواً يُنتخبون بصورة غير مباشرة، و70 عضواً يُعيّنهم رئيس الجمهورية. وفي هذا الإطار، شُكِّلت هيئات ناخبة فرعية في 50 دائرة انتخابية استناداً إلى معايير محددة سلفاً، بحيث تتكوّن من 70% من أصحاب المؤهلات الأكاديمية و30% من الأعيان والوجهاء وقادة المجتمع المحلي، وقد مُنحت هذه الهيئات الصلاحية الكاملة لترشيح المرشحين وانتخابهم.

حالت الظروف الأمنية والسياسية دون إجراء الانتخابات في محافظات السويداء والرقة والحسكة، ما أدى إلى اقتصار الجولة الأولى على انتخاب 119 عضواً فقط. ولاحقاً، أسفرت انتخابات تكميلية أُجريت في مدينتي رأس العين (محافظة الحسكة) وتل أبيض (محافظة الرقة) عن رفع العدد الإجمالي للأعضاء المنتخبين إلى 122 عضواً. ولم تُستكمل الانتخابات في الدوائر المتبقية حتى الآن، كما لم يُعلن عن جدول زمني واضح لإجرائها. ومن المقرر استكمال تشكيل مجلس الشعب عبر تعيين 70 عضواً من قبل رئيس الجمهورية، في خطوة تهدف إلى معالجة فجوات التمثيل الناجمة عن الطابع الجزئي وغير المباشر للعملية الانتخابية.

ضعف تمثيل النساء

لا تتجاوز نسبة النساء 4.9% من إجمالي الأعضاء المنتخبين (6 نساء من أصل 122)، مقارنةً بنسبة 11.2% (28 امرأة من أصل 250) في مجلس عام 2020، وهو آخر مجلس تشريعي تتوافر بشأنه بيانات قابلة للمقارنة. ويُعزى هذا التراجع جزئيًا إلى تركيبة قاعدة المرشحين نفسها، حيث لم تتجاوز نسبة النساء بين المرشحين 14.1% (221 مرشحة من أصل 1,571). وتشير التصريحات الرسمية إلى أن التعيينات الرئاسية ستسهم في معالجة هذا الاختلال في التمثيل.

يعكس هذا التمثيل المتدنّي للنساء وجود عوائق اجتماعية متجذّرة، إلى جانب اختلالات إجرائية في تصميم العملية الانتخابية. فقد ضمّت اللجنة العليا للانتخابات امرأتين فقط من أصل أحد عشر عضوًا، في حين كانت الهيئات الناخبة المسؤولة عن اختيار المرشحين ذات طابع ذكوري شبه كامل، إلى جانب  المجتمعات المحلية المغلقة التي تحدّ من قدرة النساء على خوض منافسة حقيقية وفعّالة. ويُعدّ هذا النمط سمةً شائعة في المجتمعات الذكورية حول العالم، بما في ذلك بلدان الشرق الأوسط.

اختلالات دينية وعرقية

من بين 122 عضواً منتخباً، ينتمي 120 عضواً إلى الديانة الإسلامية (98.4%)، في حين لا يتجاوز عدد الأعضاء المسيحيين عضواً واحداً (0.8%). وبالمقارنة مع  النسبة التقديرية للمسيحيين تبلغ نحو 2.3% من إجمالي السكان في سوريا في عام 2024، وهي نسبة كان يُفترض أن تترجم إلى ما يقارب مقعدين إلى ثلاثة مقاعد في مجلس بهذا الحجم. ورغم الإعلان الرسمي عن فوز عضوين من المسيحيين، لم نتمكن من التحقق بشكل مستقل إلا من اسم واحد؛ وفي حال تأكيد العضو الثاني، فإن مستوى التمثيل المسيحي سيكون منسجماً إلى حدٍّ كبير مع التقديرات السكانية.

 

على مستوى الطوائف الإسلامية، يشكّل المسلمون السنّة 92.4% من الأعضاء الذين أمكن التحقق من خلفياتهم الدينية، في حين لم يحصل العلويون سوى على أربعة مقاعد (3.3%)، جميعها جاءت من محافظتي اللاذقية وطرطوس، من دون أي تمثيل من محافظة حمص، على الرغم من وجود كتلة سكانية علوية معتبرة فيها. وتبقى هذه النسبة أدنى بكثير من الحصة السكانية المحتملة للطائفة العلوية، والمقدّرة بنحو 12% من إجمالي السكان. أما الطائفة الدرزية، فقد غابت تماماً عن التمثيل البرلماني، وهو ما يُعدّ نتيجة مباشرة لاستبعاد محافظة السويداء — المحافظة الوحيدة ذات الغالبية الدرزية — من العملية الانتخابية. ويستمر هذا الغياب رغم وجود تجمعات درزية في بعض مناطق ريف دمشق، بما في ذلك جرمانا، التي لم تُفرز أي ممثلين منتخبين يعرّفون أنفسهم بأنهم من الطائفة الدرزية.





    العربيةالانكليزية

    من الناحية القومية، يغلب الطابع العربي على تركيبة مجلس الشعب بصورة شبه كاملة. ويظل التمثيل الكردي محدوداً للغاية، إذ لم يتجاوز أربعة أعضاء، جميعهم انتُخبوا من منطقة عفرين، وهو ما لا يعكس الوزن الديموغرافي الحقيقي للمكوّن الكردي، ولا سيما في محافظة الحسكة التي لم تشملها العملية الانتخابية. في المقابل، يغيب التمثيل كلياً عن الأقليات القومية الأصغر، مثل السريان والآشوريين والشركس.

    بصورة عامة، يرتبط ضعف تمثيل المكوّنين الكردي والدرزي ارتباطاً وثيقاً بعدم إجراء الانتخابات في المناطق التي يتركّز فيها وجودهما السكاني. غير أنّ الاختلال الأكثر دلالة من الناحية البنيوية يخصّ الطائفة العلوية، ويمكن تفسيره بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها مقاطعة شريحة واسعة من أبناء الطائفة للعملية الانتخابية في أعقاب المجازر التي شهدها الساحل السوري، ووجود مقاومة فعلية لمشاركة العلويين في العملية السياسية، تجلّت في اغتيال أحد المرشحين في محافظة طرطوس، اضافة— وهو العامل الأهم — عن ضعف تمثيل العلويين داخل الهيئات الناخبة نفسها، التي شكّلت الحلقة الحاسمة في اختيار المرشحين والفائزين.

     

    التمثيل الفردي والمهني

    في ظل غياب الأحزاب السياسية المنظَّمة قانونيًا وحملات التنافس القائمة على البرامج، لم تُفرز الانتخابات كتلًا أيديولوجية واضحة أو اصطفافات منظمة داخل مجلس الشعب. كما أن الخلفيات المهنية والسياسية للأعضاء ليست متمايزة على نحوٍ حصري. إذ تشير بياناتنا  إلى أن نحو 28.7% من الأعضاء المنتخبين شغلوا سابقاً مواقع ضمن مؤسسات المعارضة الرسمية، في حين جاء 19% منهم من مؤسسات الدولة قبل عام 2011، وامتلك 16.4% ارتباطات سابقة بفصائل معارضة مسلّحة قبل انتقالهم لاحقاً إلى أدوار مدنية. في المقابل، لا يمتلك 62.3% من الأعضاء أي خلفية سياسية أو عسكرية معروفة، ويمكن توصيفهم بمستقلين أو تكنوقراط أو شخصيات محلية، يستمدّون نفوذهم أساساً من مكانتهم الاجتماعية أكثر مما يستندون إلى انتماء حزبي أو أيديولوجي.

     

    توصيات سياساتية 

    لا ينبغي التعامل مع ضمان تمثيلٍ فعلي—ولا سيما للفئات الممثَّلة تمثيلاً ناقصاً بشدّة مثل النساء والعلويين—بوصفه إجراءً شكلياً أو أداة رمزية لاكتساب الشرعية داخلياً أو دولياً. بل يُعدّ هذا التمثيل شرطاً أساسياً لإرساء نظام مستقر وشامل في مرحلة ما بعد النزاع، وعنصراً حاسماً في تحسين جودة السياسات العامة.

    من أجل تعزيز شرعية المجلس الجديد وترسيخه ضمن نظام سياسي مستقر، ينبغي على الرئاسة الانتقالية إعطاء أولوية لاستكمال العملية الانتخابية في المحافظات التي جرى استبعادها من التصويت. ويتطلّب تحقيق ذلك الدخول في تسويات سياسية مع السلطات الأمر الواقع في تلك المناطق. إذ أن استمرار استبعادها أبقى شرائح واسعة من المجتمع السوري، بما في ذلك المكوّنان الدرزي والكردي، دون تمثيل فعلي في مركز صنع القرار.

    تُشكّل التعيينات الرئاسية آلية ثانية وحاسمة لمعالجة الفجوات البنيوية التي كشف عنها هذا التحليل. وينبغي أن تستند هذه التعيينات إلى معايير شفافة ومعلنة، تُوجَّه صراحةً نحو تحسين تمثيل الفئات المهمَّشة والتيارات السياسية ضعيفة الحضور.

     

     
    Scroll to Top

    هل تود متابعة قراءة المقال ؟

    الرجاء الاشتراك بنشرتنا البريدية





      العربيةالانكليزية