إحياء شبكة أنابيب النفط في سوريا
استكمالاً لمقالنا السابق حول شبكة أنابيب الغاز في سوريا، تشكل خطوط أنابيب النفط العمود الفقري لقطاع النفط في البلاد. قبل عام 2011، كانت سوريا منتجًا صافيًا للنفط، حيث أتاحت شبكة الأنابيب تصدير الخام عبر موانئ البحر المتوسط. كما كانت ممرًا للنفط السعودي (من 1950 إلى 1990) والعراقي (من 1952 إلى 2003) المتجه إلى الأسواق الدولية. يستعرض هذا المقال الشبكات المحلية والإقليمية لأنابيب النفط في سوريا، بالإضافة إلى الجهود الأخيرة لاستعادة أنابيب النقل العابرة للحدود.
تسببت سنوات النزاع المسلح في أضرار كارثية لهذه البنية التحتية، وأدت إلى تشتت السيطرة على شبكات النفط الحيوية. ويُقدّر أن أكثر من 1,000 كم من أنابيب النفط والغاز في شمال شرق سوريا وحدها بحاجة إلى استبدال كامل بدلاً من إصلاحها. فيما أكد يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، أن جزءًا من شبكة الأنابيب الوطنية يعاني تدهوراً شديداً، حيث باتت بحاجة إلى الصيانة، و تحتوي على رواسب كيميائية وأملاح.
تربط شبكة أنابيب النفط المحلية في سوريا، التي تم تطويرها أساسًا في أواخر القرن العشرين، حقول النفط المتناثرة في المناطق الشرقية والوسطى بمصفاتي حمص وبانياس، كما تدعم عمليات التصدير عبر المرافئ البحرية في بانياس وطرطوس.
تمتد شبكة النفط الثقيل من تل عدس في حقول رميلان إلى طرطوس، بطول يقارب 663 كم، وبطاقة تصميمية تبلغ 300 ألف برميل يوميًا (ب/ي). بينما تربط شبكة النفط الخفيف دير الزور ببانياس عبر أنابيب يبلغ طولها حوالي 2,000 كم، كان 1,185 كم منها فعالًا قبل الحرب. و تعمل أربع محطات ضخ رئيسية بتوربينات الغاز على شبكة الخام الخفيف، بينما تخدم تسع محطات كهربائية شبكة الخام الثقيل. وقد دمرت سنوات الحرب الكثير من هذه البنية التحتية.
في عام 2010، بلغ إنتاج سوريا من النفط 387,000 برميل يوميًا. كان مايقارب 40% من الانتاج يُصدَّر، فيما كانت معظم الصادرات تتجه إلى الأسواق الأوروبية. ولكن سنوات الحرب والعقوبات أدت إلى توقف الصادرات، قبل أن يفتح الانقسام الجغرافي في البلاد الباب للمناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد للتجارة مع كردستان العراق عبر خط أنبوب “عدي.”
أظهر مقالنا السابق في “سوريا بالأرقام” حول إمدادات النفط عام 2025 أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة أصبحت تعتمد على الواردات بشكل شبه كامل. مما دفع دمشق للبحث عن وسائل إمداد أكثر استقرارًا وفعالية من حيث تكلفة التوريد، بما في ذلك محاولة إعادة تفعيل خطوط النفط، حيث تسعى سوريا حاليًا لاستكشاف الفرص فيها.
تاريخيًا، منحت المرافئ السورية على البحر المتوسط البلاد موقعًا استراتيجياً كممر عبور للطاقة، إذ عبر خطان رئيسيان أراضيها هما: أنبوب النفط العربي (Tapline) وأنبوب كركوك-بانياس، وكلاهما الآن مهجور.
خط كركوك-بانياس، الذي اكتمل انشاؤه عام 1952، يُعد من أهم الأصول العابرة للحدود في سوريا، حيث يربط حقول كركوك في العراق بميناء بانياس على البحر المتوسط. يبلغ طول الخط 800 كم، وبقدر تشغيلية تبلغ 300,000 برميل يوميًا، وتم تعليق العمل فيه بين عامي 1956-1957 خلال أزمة السويس، ثم توقف العمل فيه مجدداُ بين عامي 1982-2000 عندما اصطفت سوريا إلى جانب إيران في حربها مع العراق، وأخيرًا أوقف العمل فيه نهائياً عام 2003 بعد غزو الولايات المتحدة للعراق عقب أعمال التخريب التي جعلته غير صالح للعمل، ليبقى متوقفاً لأكثر من عقدين.
خلال هذه الفترة، استؤنفت الجهود لإحياء الأنبوب بشكل متقطع، في عام 2007 بدأت شركة “ستروي ترانس غاز“، إحدى شركات البنية التحتية الروسية الكبرى، محادثات مع السلطات العراقية، إلا أن أعمال الصيانة المخططة أٌجلت في عام 2009. حيث أشارت تقارير لاحقة أن الولايات المتحدة عارضت المشروع لزيادة الضغط الاقتصادي على دمشق.
وفي عام 2010، وقع الجانبان السوري والعراقي اتفاقًا لبناء خطين جديدين بين كركوك وبانياس، أحدهما للنفط الخفيف بطاقة تشغيلية 1.25 مليون برميل يومياً، والآخر للنفط الثقيل بطاقة تشغيلية 1.5 مليون برميل يومياً. وبعد عام، اجتمع الجانبان مرة أخرى لمناقشة إعادة تشغيل الخط الأصلي.
تراجع ملف خط الأنابيب عن جدول أولويات السلطات السورية خلال السنوات الأولى من الحرب، ولكن في منتصف عام 2019، أفادت وسائل إعلامية بأن إيران أعادت طرح مُقترح لإنشاء مسارات تصدير بديلة، إما عبر بناء خط جديد بطول 1,000 كم عبر العراق، أو عبر إعادة خط كركوك-بانياس على نفقة إيران. كان من المقرر أن يكون المشروع بقدرة تشغيلية تبلغ 1.25 مليون برميل يومياً، مع توجيه الصادرات إلى السواحل اللبنانية. لاحقًا، دعمت روسيا المبادرة وعقدت اجتماعات في بغداد لتطويرها. غير أنه لم تتخذ أي خطوات عملية حتى زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى دمشق في تموز 2023 لمناقشة إعادة افتتاح الأنبوب، فيما أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية استعداد بغداد للمشاركة.
أعاد انهيار النظام السوري في كانون الأول 2024 إحياء الزخم حول المشروع، واجتمع بين نيسان وتشرين الثاني من عام 2025، كبار المسؤولين العراقيين والسوريين — بمن فيهم مدير المخابرات الوطنية العراقية ووزير الطاقة السوري —لمناقشة المخاوف الأمنية وإعادة تأهيل خط الأنابيب. وتطورت المحادثات إلى المستوى الوزاري، حيث تم مجددًا استكشاف إمكانية تمديد الخط إلى لبنان. و بحلول تشرين الثاني، اتفقت الحكومتان على تعيين مستشار دولي لتقييم البنية التحتية وجدوى إعادة خط الأنابيب. تقوم اللجان الفنية المشتركة من البلدين بإجراء دراسات هندسية لتحديد ما إذا كان سيتم استعادة الخط الحالي أو بناء خط بديل. تشير التقديرات الأولية إلى أن تكاليف إعادة البناء قد تتجاوز 4.5 مليار دولار وقد تستغرق حوالي 36 شهرًا.
وفي منتصف كانون الأول عام 2025، أكد نائب وزير الطاقة السوري غياث دياب أن دمشق وبغداد تمضيان قدماً في وضع خطط لإنشاء خط أنابيب مزدوج بطاقة تشغيلية تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، يشمل بناء محطات ضخ جديدة، وامكانية بناء خط يتم توجيهه إلى دير الزور.
ذكر الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط، قبلاوي، مؤخرًا أن خط الأنابيب الرئيسي يحتاج إلى إعادة بناء كاملة. مشيراً إلى تعرض محطات الضخ لضربات صاروخية، ووصف المشروع بأنه أولوية المرحلة الحالية. ورغم التكلفة العالية، أشار إلى وجود اهتمام من بنوك تنموية، بما في ذلك في السعودية، وقال إن العراق أيضًا مهتم. قد يستغرق البناء نحو عامين إذا تم العمل بالتوازي من الجهتين الشرقية والغربية.
في الفترة بين 17 و18 كانون الثاني 2026، استعادت القوات الحكومية السيطرة على الموارد النفطية في شمال شرق سوريا من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وذلك بموجب اتفاق شامل لوقف إطلاق النار شمل 14 بنداً. ونص الاتفاق على نقل جميع حقول النفط والغاز والبنية التحتية ذات الصلة في دير الزور والرقة والحسكة إلى الحكومة المركزية في دمشق، في خطوة تمثّل المرة الأولى منذ أكثر من عقد التي تستعيد فيها الحكومة السيطرة على معظم أصول الهيدروكربونات في البلاد.
بالنسبة للشركات الدولية، يتيح هذا التوحيد المؤسسي إطارًا أكثر اتساقًا لمنح التراخيص، وإنفاذ العقود، وتنظيم تحصيل الإيرادات في ما يتعلق بمشاريع خطوط الأنابيب العابرة للحدود.
بالنسبة لدمشق، يوفر خط كركوك–بانياس وسيلة أقل كلفة لتأمين الخام اللازم للتكرير المحلي. حيث تستهلك المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة حاليًا حوالي 120,000 برميل يومياً، في حين لا يتجاوز إنتاجها 8,000 برميل يومياً. أما الحقول التي تم الاستحواذ عليها مؤخرًا في شمال شرق البلاد يبلغ إنتاجها حوالي 31,700 برميل يومياً في دير الزور وحوالي 2,000 ب/ي في الرقة، فيما لم يتم استكمال نقل السيطرة على حقول الحسكة بعد، وفقًا للبيانات الميدانية التي جمعتها شركة كرم شعار للاستشارات. وهذا يترك دمشق معتمدة على الواردات، خصوصًا من روسيا. حيث يصل الخام الروسي عبر ناقلات خاضعة للعقوبات ضمن ما يُعرف بـ “أساطيل الظل”، مما قد يعرض سوريا لمخاطر فرض عقوبات ثانوية ويرفع تكاليف النقل. في المقابل، من شأن استيراد النفط العراقي عبر خط كركوك-بانياس أن يخفض التكاليف، ويزيل مخاطر التعرض للعقوبات، ومع قدرة محتملة تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا—أي ما يفوق بكثير الطلب المحلي—يمكن أن يعيد تموضع سوريا كممر عبور نحو الموانئ اللبنانية والأسواق الدولية، مع عائدات عبور تُقدّر بنحو 200 مليون دولار سنويًا.
بالنسبة لصناع القرار في الغرب، فإن دعم إحياء خط الأنابيب يحمل قيمة استراتيجية تتجاوز مجرد توفير الطاقة حيث تحتفظ روسيا بتأثير قوي على دمشق من خلال دورها كمورد رئيسي للنفط، وقواعدها في حميميم وطرطوس، ومشاركتها المحتملة في طباعة العملة السورية الجديدة. ومن شأن تسهيل تكامل الطاقة بين العراق وسوريا أن يحد من نفوذ موسكو دون المواجهة المباشرة.
غير أن المفاوضين يمكن أن يواجهوا تحديات معقدة، بما في ذلك مطالب حكومة إقليم كردستان العراق المتعلقة بالنفط في كركوك، كما ستتطلب العملية أُطراً قانونية جديدة لمعالجة المسؤولية البيئية، وتقاسم تكاليف الأمن، وبروتوكولات التفتيش الدولية، وآليات حل النزاعات.
