فائض السيولة المصرفية يثير تساؤلات حول دوره في تحفيز الاقتصاد

بقلم: عبير أسعد 

خلال العقد الماضي، طرأ تغير جذري على نموذج عمل المصارف السورية الخاصة، حيث تحولت إلى مجرد خزائن للأموال، بدلاً من أداء دورها الأساسي كوسيط مالي يعمل على تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو تمويل القطاعات الإنتاجية.

يشير تحليلنا للبيانات المالية السنوية المنشورة لهذه المصارف في سوق دمشق للأوراق المالية إلى تركّز موجوداتها في بنود تتميز بارتفاع السيولة وانخفاض المخاطر و المتمثلة في: النقد والأرصدة لدى المصرف المركزي، والأرصدة والإيداعات لدى المصارف. في نهاية 2024، شكلت هذه مجتمعة 82% من إجمالي الموجودات للمصارف الإسلامية و80% للتقليدية، وقد انعكس ذلك في ارتفاع نسبة السيولة لدى هذه المصارف إلى مستويات تجاوزت الحد الأدنى قانونًا، وهو 30% بكافة العملات، بأشواط.

هذه السيولة الفائضة معطلة منذ زمن، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من عجز تمويلي هيكلي متراكم. بلغت نسبة السيولة  ذروتها في عام 2016 بنسبة 468%، مقابل 305% في عام 2024 (كان ذلك لدى بنك قطر الوطني-سورية).

رسخّ هذه الظاهرة قيوداً تنظيميةً على التوسع الائتماني. تم تعليق الإقراض في حزيران 2020، تلته سلسلة من الضوابط التي حددت سقف التسهيلات الائتمانية، أو المشاريع التي يمكن تمويلها، وآخرها القرار 204 لعام 2023. كما أنّ بعض المصارف انتهجت سياسات ائتمانية متشددة، كطلب ضمانات عقارية وتخفيض المدد الزمنية، كرد فعل على زيادة المخاطر. وكانت النتيجة ارتفاع في نسب السيولة وتراجع في الائتمان الممنوح.

بلغ متوسط نسبة التمويلات إلى إجمالي الموجودات 19% خلال الفترة (2016-2024)، حسب تحليلنا للبيانات المالية للمصارف، وتقيس هذه النسبة حصة الموجودات الموظّفة في منح التمويلات. يعكس انخفاضها محدودية التوظيف الائتماني واتجاه المصارف إلى الاحتفاظ بالسيولة أو استثمار أموالها في بنود أخرى. بلغت ذروة نسبة تمويلات المصارف الخاصة الإسلامية والتقليدية  إلى إجمالي موجوداتها 39.3%، 24.5% في عام 2019 – بينما كانت الأعلى لدى بنك سورية الدولي الإسلامي حيث بلغت 50%.

 لاحقاً لذلك، انحدرت النسبة لتستقر في عام 2024 عند 10% للمصارف التقليدية و 12% للمصارف الإسلامية من إجمالي الموجودات. هذه النسب ضئيلة جداً مقارنةً بنصيب التسهيلات في القطاع المصرفي العربي البالغ 55% في العام نفسه.

إن السعي لمعالجة تعطل السيولة الفائضة وبقائها خارج الدورة الاقتصادية، يتطلب من السلطات الإشرافية والرقابية مراجعة شاملة للسياسات النقدية وضوابط الائتمان، وفي مقدمتها القرار 204. تهدف هذه المراجعة إلى توجيه التمويل بشكل فعال نحو المشروعات الزراعية والصناعية الصغيرة والمتوسطة باعتبارها ركائز أساسية للتعافي الاقتصادي. ويترافق هذا التوجه مع إنشاء صندوق تكافلي مستقل لمشاركة مخاطر الائتمان يُدار وفق نموذج الوكالة بالاستثمار وبمبدأ التبرع، إلى جانب دعم مؤسسة ضمان مخاطر القروض بما يمكّنها من التوسع في إصدار صكوك الضمان والتعامل بمرونة أكبر مع تغطية مخاطر الإقراض.





    العربيةالانكليزية