موازنة سوريا 2026: هل تستطيع الإيرادات مواكبة التوسع في الإنفاق؟

بقلم: هديل الشعراني

بعد ستة أشهر من بدء تنفيذ موازنة 2026، انتقلت الأرقام من التقديرات إلى الاختبار الفعلي. والسؤال الذي تطرحه نتائج منتصف العام بسيط: هل تستطيع الإيرادات مواكبة وتيرة الإنفاق؟ 

قدّرت الحكومة الإنفاق السنوي بنحو 10.5 مليارات دولار، أي نحو ثلاثة أضعاف الإنفاق الفعلي المسجل في 2025 والبالغ 3.45 مليارات دولار. وبحلول منتصف 2026، أظهرت بيانات الأداء المالي أن زيادة الرواتب والأجور كانت من أبرز محركات ارتفاع الإنفاق، فيما توقعت وزارة المالية ارتفاع الإنفاق خلال النصف الثاني مع استمرار أثر زيادة الرواتب وتقدم تنفيذ المشاريع الاستثمارية. 

على جانب الإيرادات، كان المطلوب تحقيق قفزة لا تقل طموحًا. فقد استهدفت الموازنة إيرادات سنوية بنحو 8.7 مليارات دولار، مقابل نحو 3.5 مليارات دولار من الإيرادات الفعلية في 2025. وبحلول منتصف العام، بلغ التحصيل الفعلي نحو 2.7 مليار دولار، أي 31% من المستهدف السنوي. وكان صندوق النقد الدولي قد وصف توقعات الإيرادات بأنها “طموحة ولكن قابلة التحقيق”، مع الحاجة إلى إجراءات احترازية إذا جاءت الإيرادات أو مصادر التمويل دون المتوقع. 

لكن حجم التحصيل لا يروي القصة كاملة؛ فتركيبة الإيرادات تكشف مفارقة بين ما افترضته الموازنة وما تحقق فعليًا. فقد كان متوقعًا أن تشكل الضرائب والرسوم 28.7% من إيرادات 2026 مقابل 21.8% للجمارك، لكن الصورة انقلبت في النصف الأول، إذ بلغت حصة الضرائب والرسوم 9% فقط مقابل 40% للجمارك، ما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على توسيع قاعدة التحصيل الضريبي في المدى القريب. 

أما الفجوة بين الإيرادات والإنفاق، فتظهر بوضوح في العجز؛ فقد بلغ في النصف الأول وحده نحو مليار دولار، أي نحو 56% من العجز السنوي المقدر بنحو 1.8 مليار دولار في النصف الأول وحده. وهذا يعني أن أكثر من نصف العجز المتوقع للسنة تحقق خلال ستة أشهر، رغم أن الإيرادات والإنفاق لم يبلغا سوى نحو ثلث مستوياتهما المقدرة للسنة. 

لكن أرقام منتصف العام لا تكفي وحدها للحكم على المسار السنوي. إذ يشير تقرير الأداء المالي للنصف الأول من 2026 إلى أن الإيرادات، ولا سيما الضريبية، عادةً ما ترتفع خلال النصف الثاني من العام، وأن مستوى التحصيل في منتصف 2026 ينسجم مع النمط التاريخي للسنوات السابقة. كما أن توريد إيرادات النفط والغاز إلى وزارة المالية لم يبدأ إلا في أيار، فيما كانت ترتيبات دمج قطاع النفط في الشمال الشرقي لا تزال غير مكتملة؛ إذ أشار تقرير للبرلمان الأوروبي في تموز إلى استمرار قسد في تحصيل بعض إيرادات النفط، مع تواصل المفاوضات بشأن اتفاق نهائي لتقاسم إنتاج النفط.

ورغم ذلك، لم تواكب الإيرادات وتيرة الإنفاق خلال الأشهر الستة الأولى، من دون أن يحسم ذلك مسار 2026. فالتوسع الكبير في الموارد والإنفاق، بالتوازي مع نشر بيانات تنفيذية بهذا التفصيل، يمثل تطورًا مهمًا في إدارة المالية العامة. ويبقى الحكم النهائي مؤجلًا إلى نهاية العام، فيما يشكل استمرار هذا المستوى من الإفصاح خطوة تستحق البناء عليها.





    العربيةالانكليزية