Karam Shaar Advisory LTD

إصلاح منظومة الرقابة في سوريا ما بعد الأسد وحدود تعزيز السلطة التنفيذية

منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، كثّفت السلطات الجديدة في سوريا جهود إنفاذ قوانين مكافحة الفساد وأعادت تنظيم مؤسسات الرقابة في البلاد. و تشير آليات التسوية الجديدة، وتوسيع عمليات التفتيش، والتعهدات بالإصلاح المالي، إلى تحول في طبيعة النشاط الإشرافي. إلا أن هذه التطورات جاءت في إطار بنية تنفيذية أكثر مركزيةً، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت إصلاحات الرقابة تهدف إلى تعزيز المساءلة أم تركيزها داخل مؤسسة الرئاسة.

إعادة تنظيم السلطة التنفيذية

في النصف الأول من عام 2025، أفادت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في تصريحات إعلامية بتسجيل نحو 1,400 قضية فساد، معظمها مرتبط بمخالفات مالية وعمليات احتيال في المشتريات. وبحسب مقابلة إعلامية، قُدّرت المخالفات المثبتة بنحو 350 مليار ليرة سورية (ما يعادل 30 مليون دولار عند سعر صرف 11,650 ليرة للدولار). كذلك أُحيل ما يقارب 200 قضية إلى القضاء، مع تحويل ما بين 1,350 و1,400 شخص إلى المحاكم المختصة.

في الوقت نفسه، عززت الهيئة حضورها الإعلامي عبر نشر رسومات إحصائية تلخص نشاطها ،حيث تشمل عدد القضايا المسجلة، والقضايا المحالة إلى القضاء.

يتزامن هذا التصاعد في النشاط الرقابي مع إعادة هيكلة أوسع لبنية الرقابة في سوريا. ففي آذار 2025، شُكّلت الحكومة الانتقالية من دون منصب رئيس للوزراء، ما أدى عملياً إلى تركيز السلطة التنفيذية تحت إشراف مؤسسة الرئاسة عبر الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية التي يرأسها شقيق الشرع. ونتيجة لذلك، باتت معظم الهيئات الرقابية ترفع تقاريرها مباشرة إلى الرئيس بدل المرور عبر طبقة تنفيذية وسيطة.

قُدّمت إعادة الهيكلة رسميًا على أنها محاولة لتعزيز الكفاءة ومعالجة التشتت البيروقراطي من خلال دمج الوزارات. إلا أن تركز خطوط رفع التقارير تحت إشراف مؤسسة الرئاسة يقلص المسافة المؤسسية بين الجهات الرقابية والسلطة التنفيذية، ما قد يؤثر في التوازن بين دورها الرقابي واستقلاليتها.

لذلك، ينبغي النظر إلى التوسع الحالي في نشاط الرقابة ليس فقط بوصفه محاولة لمعالجة إرث الفساد، بل أيضًا كجزء من عملية أوسع لإعادة تركيز السلطة الإدارية. كذلك يبقى من غير الواضح مدى استمرارية آليات المسائلة لتطال أيضاً المخالفات التي قد تصدر عن السلطات الحالية.

 

 

توسّع دور الجهاز المركزي للرقابة المالية

شهد نطاق عمل الجهاز المركزي للرقابة المالية توسعًا ملحوظًا أيضًا، ما يشير إلى زيادة كبيرة في أعمال التدقيق واتساع نطاق الملاحقة الرقابية. ففي عام 2023، وهو أحدث عام تتوفر عنه تقارير رسمية، أعلن الجهاز عن تسجيل مخالفات مالية بلغت 95 مليار ليرة سورية (حوالي 6.7 مليون دولار عند سعر صرف 14,200 ليرة للدولار).

في المقابل، تشير الإحصاءات الرسمية الأخيرة إلى تصاعد كبير في حجم المخالفات المالية المكتشفة. فوفقًا لأرقام رسمية نُشرت منذ سقوط نظام الأسد، بلغ حجم قضايا الفساد المالي المكتشفة نحو 527 مليار ليرة سورية (حوالي 45.2 مليون دولار عند سعر صرف 11,650 ليرة للدولار)، إلى جانب إلى قضايا أخرى.

تشمل مهام الجهاز تدقيق الحسابات العامة، ومراقبة الامتثال المالي والإداري في الوزارات والمؤسسات العامة، وحماية الأموال العامة. وخلال العام الماضي، وسّع الجهاز حضوره الرقمي عبر موقعه الرسمي، كما تم تفعيل منصة للإبلاغ العام تتيح تقديم الشكاوى إلكترونيًا ونشر نتائج الرقابة. تعكس هذه الخطوات محاولة لإضفاء الطابع المؤسسي على آليات الإبلاغ وتوسيع نطاق الرقابة.

يرأس الجهاز حاليًا محمد عمر قديد، المعروف أيضًا باسم أبو عبد الرحمن، والذي كان مرتبطًا سابقًا بجبهة النصرة ثم بهيئة تحرير الشام.

لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، بين التسويات والغموض المؤسسي

تبدو أنشطة لجنة مكافحة الكسب غير المشروع أوسع نطاقاً من حيث الحجم مقارنة بما أعلنته الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية. فبحسب تقارير إعلامية، يخضع أكثر من 900 شخص حاليًا للملاحقة، كما جرى استرداد أصول تُقدّر قيمتها بنحو 800 مليون دولار في إطار تسوية واحدة مع رجل أعمال من حقبة الأسد. وتتجاوز هذه الأرقام القيم المالية المرتبطة بالمخالفات التي توثقها الهيئات الرقابية الأخرى.

أُنشئت اللجنة بموجب المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2025، وقد وُضعت في مركز الجهود الرامية إلى معالجة حالات الكسب غير المشروع المرتبطة بالنظام السابق. وعلى موقعها الرسمي، تعرض اللجنة برنامجاً للإفصاح الطوعي يمتد لستة أشهر، ومن المقرر أن ينتهي في نهاية أيار 2026، و يتيح للأفراد والكيانات المشتبه بتحقيقهم مكاسب غير مشروعة تسوية أوضاعهم المالية من خلال تسويات تفاوضية. وتقدّم اللجنة هذه الآلية باعتبارها وسيلة لتسريع استرداد الأصول في ظل القيود القضائية، وطول المدد المرتبطة بإجراءات التقاضي الرسمية.

عقب احتجاجات عامة وانتقادات إعلامية تتعلق بالشفافية، أوضحت اللجنة أن التسويات لا تُسقط الحقوق العامة، ولا تُعفي المشاركين من المسؤولية الجنائية، كما لا تؤثر في المطالبات القانونية الشخصية للمتضررين. وفي بيانات رسمية، شددت اللجنة على أن استرداد الأصول يجري بالتوازي مع آليات العدالة الأخرى، ولا يحل محل المساءلة الجنائية.

في الوقت نفسه، ما يزال الغموض القانوني يحيط بعمل اللجنة. فالمادة الرابعة من المرسوم تحدد اختصاص اللجنة بأصحاب المناصب العامة والموظفين المدنيين والعسكريين. غير أن التطبيق العملي حتى الآن ركز أساسًا على رجال أعمال من القطاع الخاص مرتبطين بالنظام السابق. ويثير هذا التباين بين الاختصاص المحدد قانوناً والجهات التي استهدفتها عملياً تساؤلات حول حدود تفسير اللجنة لاختصاصها والأساس القانوني الذي تستند عليه.

كذلك قد لا تكمن القضية الأساسية في مبدأ التسويات الطوعية بحد ذاته، بقدر ما تتعلق بدرجة الشفافية في كيفية التفاوض عليها: مثل آليات تقييم الأصول، وشروط المصالحة، ووجهة الأموال المستردة، والآليات المؤسسية التي تشرف على إعادة توزيعها.

ولا يزال هناك تساؤل مؤسسي مفتوح حول ما إذا كان تفويض اللجنة سيبقى محصورًا في برنامج الإفصاح الطوعي المؤقت، أم سيتحول إلى هيئة دائمة لمكافحة الفساد تتمتع بضمانات إجرائية واضحة وتكامل مؤسسي مع السلطة القضائية. وستعتمد مصداقيتها على المدى الطويل على مدى ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة ضمن عملها.





    العربيةالانكليزية

    البنية الوقائية: إطار غير مكتمل لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب

    لا تقتصر أنظمة مكافحة الفساد الفعالة على معالجة القضايا بعد وقوعها، بل تشمل أيضًا بنية مالية وقائية. وفي هذا السياق، تمثل هيئة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا إحدى الركائز المؤسسية، غير أن الإطار الأوسع لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب ما يزال غير مكتمل. وقد صرّح حاكم مصرف سوريا المركزي بأن إعداد استراتيجية وطنية شاملة في هذا المجال باتت في مراحلها النهائية.

    يكشف التأخر في إقرار هذه الاستراتيجية عن ثغرات مستمرة في البعد الوقائي لمكافحة الفساد، ولا سيما في مجالات تقييم المخاطر، والإشراف على الامتثال، وتنسيق المعلومات الاستخباراتية المالية. فبينما كثّفت هيئات الإنفاذ عمليات التفتيش وأبرمت تسويات تفاوضية، لاتزال البنية الوقائية بحاجة إلى مواءمة منهجية مع توصيات مجموعة العمل المالي.

    ومن دون إطار امتثال متكامل وواضح، تبقى إجراءات الإنفاذ في معظمها ردات فعل لانتهاكات سابقة. فآليات التفتيش والتسوية تعالج المخالفات بعد ظهورها، في حين تهدف الأنظمة الوقائية إلى ردع التدفقات المالية غير المشروعة قبل حدوثها. ووفقاً لتحليل سابق، فإن المواءمة مع المعايير الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب تُعد شرطاً أساسياً لإعادة دمج القطاع المصرفي السوري في الشبكات المالية العالمية واستعادة علاقات المراسلة المصرفية.

    وعليه، فإن مسار هذا الإصلاح سيحدد ما إذا كانت حوكمة مكافحة الفساد ستنتقل من تدخلات ظرفية إلى نهج ردعي منهجي، وهو تحول ضروري لتحقيق إعادة اندماج مالي مستدام مع بقية العالم.

    المركزية والرقابة وحدود المساءلة

    أدت إعادة هيكلة المؤسسات الرقابية إلى توسيع نشاط التفتيش وتعزيز القدرة الإشرافية الرسمية. غير أن هذا التوسع حدث ضمن إطار تنفيذي شديد المركزية. إذ ترفع هيئات مكافحة الفساد تقاريرها مباشرة إلى رئاسة الجمهورية، في حين لا يزال المجلس التشريعي غائبًا، بينما تبقى استقلالية القضاء محدودة. وفي ظل استمرار غياب مجلس تشريعي فعال، تعمل الرقابة إلى حد كبير ضمن حدود السلطة التنفيذية بدل أن تمتد عبر فروع الحكم المختلفة.

    ازدادت الشفافية العامة من خلال نشر الأرقام، والإعلان عن التسويات، وعرض تقارير التفتيش. ومع ذلك، ما تزال القرارات الاقتصادية الكبرى—بما في ذلك العقود الكبيرة وتخصيص الأموال العامة—محاطة بدرجة عالية من الغموض. وبدلاً من إعادة توزيع الصلاحيات الإشرافية عبر مؤسسات متعددة، أدت الإصلاحات إلى تركيزها في مركز السلطة التنفيذية.

    وبالتالي، يبقى السؤال المركزي، سياسيًا بقدر ما هو مؤسسياً: هل تمثل حملة مكافحة الفساد التي يقودها الرئيس الشرع انتقالًا حقيقيًا نحو مساءلة قائمة على القانون، أم أنها تعمل في الوقت نفسه كآلية لتعزيز السلطة التنفيذية مع التركيز على شبكات المصالح المرتبطة بعهد الأسد؟ 

    كما أن استدامة هذه الإصلاحات، ستعتمد على ما إذا كانت صلاحيات السلطة الإشرافية ستخضع لاحقًا لمشاركة تشريعية فعلية و رقابة قضائية حقيقية، أم ستبقى متركزة داخل مؤسسة الرئاسة.

     
    Scroll to Top

    Not a member yet?