دخول المصارف التركية إلى سوريا يمهّد لتحول جذري في القطاع المصرفي
- العدد 19
بقلم: مجد حمد
أعلن وزير التجارة التركي عمر بولات، خلال المنتدى الاقتصادي التركي-السوري المنعقد في 9 حزيران 2026، التوصل إلى اتفاق يسمح للمصارف التركية بفتح فروع لها في سوريا، في وقت يجري فيه العمل على تعديل التشريعات المصرفية السورية. وأكد وزير الاقتصاد السوري نضال الشعار، الذي شارك في المنتدى، “دور تركيا كشريك في تعافي الاقتصاد السوري”. إذا وُضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ، فمن شأنه أن يعيد صياغة القواعد التي حكمت القطاع المصرفي السوري لعقود.
سبق للخدمات المصرفية التركية أن دخلت شمال سوريا، لكن خارج سلطة دمشق. فقد افتتحت مؤسسة البريد والبرق التركية، التي تقدم أيضاً خدمات مصرفية، فروعاً في مناطق من شمال سوريا كانت خارجة عن سيطرة الدولة المركزية. أما في دمشق، فقد ظل القطاع المصرفي خاضعاً لقواعد ملكية صارمة، وفقًا للقانون المصرفي رقم 28 لعام 2001، أبرزها أن حصة الكيانات الأجنبية في المصارف السورية لا تتجاوز 49 في المئة، مع إمكانية رفعها إلى 60 في المئة في حالات محددة. على مدى عقود، اقتصر حضور المصارف الإقليمية، ومعظمها من دول عربية، على امتلاك حصص في مصارف سورية محلية كشركاء استراتيجيين. وقد طُبق في نيسان 2026، عندما استحوذت شركة استثمار القابضة القطرية، عبر إحدى شركاتها التابعة، على حصة قدرها 49 في المئة من بنك شهبا.
أما السماح لمصارف أجنبية بفتح فروع في سوريا، فيمثل نموذجًا مختلفًا بالكامل. فترخيص الفرع يعني أن الجهة الأجنبية تستطيع امتلاك فرعها المحلي بالكامل، مما يشكل خروجاً عن القيود القديمة لنسب المحاصصة المحلية، ويفتح الباب أمام منافسة أجنبية مباشرة داخل السوق السورية.
يحمل هذا النموذج مزايا عدة. فهو أقل كلفة من تأسيس مصرف محلي جديد، ويمكن أن يسرّع الحصول على الموافقات التنظيمية بفضل سمعة المصرف الأم، كما يتيح لهذه الفروع الوصول المباشر إلى شبكات المصارف المراسلة للمصرف الأم، والاستفادة من موارده التقنية والبشرية المتقدمة. ومن شأن ذلك أن يشجع مصارف أجنبية أخرى على دخول السوق، ويعزز ثقة المستثمرين، ويسهّل تنفيذ المعاملات التجارية.
غير أن توسيع قدرة سوريا على إجراء المعاملات الدولية عبر علاقات المراسلة المصرفية مع الفروع التركية سيبقى مرهوناً، في نهاية المطاف، بمدى ثقة المصارف المراسلة بإجراءات الامتثال لدى المصارف التركية التي ستفتتح فروعاً في سوريا. ويتطلب بناء هذه الثقة استمرار تدابير تخفيف المخاطر، وإجراء مشاورات مسبقة لتبديد المخاوف، مع الحد في الوقت نفسه من الامتثال المفرط.
لكن الطريق إلى تنفيذ هذا النموذج لا يخلو من عقبات مهمة. فبموجب مبادئ لجنة بازل للرقابة المصرفية، يتعين على الجهة الرقابية المضيفة (مصرف سوريا المركزي) الحصول على عدم ممانعة الجهة الرقابية الأم (البنك المركزي التركي) قبل منح أي ترخيص لفرع مصرف تركي. كما يجب على الطرفين وضع أطر واضحة لتبادل المعلومات وتنسيق الرقابة. الإعلان التركي أشار إلى وجود مشاروات بين السلطتين، دون توضيح مدى التقدم المحرز في هذه المشاورات أو مضمونها. وإلى جانب ذلك، يتعين على مجلس الشعب السوري، انسجاماً مع مهامه بموجب الإعلان الدستوري لعام 2025، اعتماد تعديلات القانون رقم 28 التي تسمح بترخيص فروع المصارف الأجنبية. كما ينبغي إصدار تعليمات تنظيمية إضافية تحدد بوضوح توزيع المسؤوليات بين المصارف الأم وفروعها المحلية.