شفافية الصندوق السيادي السوري: خطوات أولية ونواقص كثيرة

بقلم: ملهم الجزماتي

منذ تأسيسه، لم يقدّم الصندوق السيادي السوري معلومات تُذكر عن قيادته أو هيكله التشغيلي أو أوضاعه المالية. لكن ممثلين عنه ظهروا في نيسان وأيار في عدة مناسبات عامة، شملت زيارات ميدانية إلى دير الزور والرقة والحسكة، والمشاركة في المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي، اضافة إلى اجتماعات مع غرفتي تجارة دمشق وريف دمشق. صحيح أن بناء مؤسسة من الصفر يحتاج إلى وقت، لكن هذا الحضور العلني، رغم أهميته، يجب أن يترافق مع إخضاع أنشطة الصندوق للمساءلة العامة، والإعلان رسمياً عن قيادته.

يحمل الصندوق تفويضاً واسعاً يقع في صميم تعافي سوريا بعد الحرب. فقد أُنشئ بموجب مرسوم رئاسي في آب 2025 ليكون الذراع الاستثمارية للدولة، على أن يُموَّل من مخصصات حكومية، وعوائد الأصول، وإيرادات أنشطته. ويمنحه تفويضه القانوني صلاحية تحويل الأصول الحكومية غير المستثمرة إلى أدوات للإنتاج والتنمية، إضافة إلى تصميم المشاريع الاستثمارية وإدارتها وتنفيذها. ولا يرفع الصندوق تقاريره إلا إلى المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، الذي يرأسه رئيس الجمهورية. عملياً، يعتبر الصندوق ذراع الرئيس الأساسية في إدارة الأصول العامة.

إن الظهور العلني الأخير، رغم كونه خطوة مرحب بها، لا يرقى بعد إلى مستوى المساءلة العامة المطلوبة. فقد ساعد وسائل الإعلام على تكوين صورة أولية عن قيادة الصندوق وأصوله، وربما منح المستثمرين وغرف التجارة تصوراً أوضح عن هيكله. وهذا تطور إيجابي بعد نحو عام من العمل بعيداً عن الأنظار. لكنه يكشف أيضاً محدودية ما نعرفه عنه حتى الآن، إذ ما تزال المعلومات المعلنة رسمياً شحيحة بشأن قيادة المؤسسة، وهيكل اتخاذ القرار فيها، ومحفظة أصولها، وآليات التفاوض على الاستثمارات وإقرارها.

لذلك، ضمان تحول الظهور الأخير إلى مسار نحو المساءلة العامة يتطلب جهودًا أكبر. رغم إعلان مسؤولي الصندوق أن آلية الحوكمة لديه “مستوحاة” من مبادئ سانتياغو، وهي مرجعية دولية مهمة للشفافية والمساءلة وحسن إدارة الاستثمارات، لكن الاستناد إلى هذه المبادئ في الخطاب لا يعني بالضرورة ترجمتها إلى قواعد وممارسات مؤسسية فعلية. . ما تحتاجه سوريا الآن محدد أكثر: قيادة معلنة، وتقارير عامة، وحسابات مدققة، وإطار واضح للرقابة العامة. وينبغي أن يبدأ الصندوق بالإعلان عن قيادته الرسمية، بما في ذلك رئيسه التنفيذي. والإعلان عن الأصول الخاضعة لإدارته، ونشر ميزانياته العمومية بانتظام. كما يقتضي تفويضه وضع قواعد خاضعة للمساءلة العامة تحكم كيفية تقييم الأصول، واختيار الشركاء، واعتماد المشاريع، وإدارة عوائد الاستثمار.

يمكن أن يصبح الصندوق السيادي السوري أحد أهم أدوات التعافي في البلاد. ويمثل انخراطه العلني الأخير خطوة للخروج من الظل. لكنه لن يبني المصداقية إلا إذا أصبحت المساءلة العامة جزءاً أصيلاً من بنيته المؤسسية.





    العربيةالانكليزية